في قسم آخر من الآيات المذكورة هناك تعبيرات يعتبرها الكثير من العلماء دليلًا ساطعاً على مسألة الخاتمية . وإذا افترضنا عدم قبول دلالتها الصريحة . فلا أقل من أن تكون قرائن وشواهد على هذه المسألة :
نقرأ في أول آية من هذا القسم : « انَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذَّكرِ لَمَّا جَاءَهُم وَانَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَاتِيهِ البَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِّن حَكِيمٍ حَمِيدٍ » .
و « الباطل » : في هذه الآية معناه الشيء الذي يبطل أو ينسخ ، وعليه فإنّ مثل هذا الكتاب سيكون خالداً وأبدياً ، وهذا بنفسه دليل على خاتمية الدين الذي يعود له هذا الكتاب ، كما هو دليل على عدم تحريف القرآن أيضاً .
وقد يقال : إنّ ( الباطل ) في اللغة لا يعني ( المبطل ) إذن كيف فسرتم الآية بهذا الشكل ؟
فنقول : علاوة على أنّ الكثير من المفسرين ذكروا أنّ أحد معاني الباطل هنا هو المبطل « 1 » فأصولًا عندما يقول ( لا يأتيه الباطل ) فإنّ مفهومها أنّ الباطل لا يمكنه أن يعيقه أو يعطله خصوصاً وأنّه قال قبلها : ( وأنّه لكتاب عزيز ) التي تدل على بقائه وثباته .
وفي الآية التالية يقول : « تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الفُرقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلعَالَمِينَ نَذِيراً » .
ولفظة ( عالمين ) التي تشمل كل سكان العالم بالرغم من عدم تقييدها بأي قيد فهي تعم أبناء كل الأعصار حتى نهاية الدنيا .
وهي ليست غير محدودة من ناحية المكان فحسب ، بل وحتى من ناحية الزمان أيضاً ، وتشمل حتى الآتين ، ولهذا السبب اعتبرها الكثير من المفسرين دليلًا على عالمية الدين الإسلامي أولًا وعلى خلوده ثانياً « 2 » .
والنقطة الملفتة للنظر أيضاً أنّ كلمة ( عالمين ) اخذت من مادة ( علم ) التي تشمل كل
هامش
( 1 ) مثل المرحوم الشيخ الطوسي في تفسير البيان ؛ والطبرسي في تفسير مجمع البيان ؛ والعلّامة الطباطبائي فيتفسير الميزان ؛ والآلوسي في تفسير روح المعاني وكذلك بعض المفسرين الآخرين ( ذيل الآية مورد البحث ) .
( 2 ) تفسير الكبير ، ج 24 ، ص 45 ؛ وتفسير القرطبي ، ج 7 ، ص 4718 ؛ وتفسير روح البيان ، ج 6 ، ص 188 .