تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠

8 - التطور السريع

إنّ التطور السريع ، والتقدم الخارق لدين ما ، وإيجاده لتحول عظيم وواسع ، يمكنه أن يشكل قرينة أخرى على أصالته وحقانيته ، لأنّ تأثيراً كهذا يكون ممكناً فقط إذا كانت قواعد هذا الدين مستندة إلى فطرة الحياة وواقعياتها ، ومنطبقة مع قوانين الخلق والإبداع ، أي نفس القوانين المتحكمة بحياة البشر . فالقانون غير الفطري ، وغير المنسجم مع التركيب النفسي والبدني للإنسان ، يتقدم بصعوبة بالغة ، وإذا تقدم فبسبب استخدام عوامل سلطوية مشددة ، فمثلًا في بداية دعوة الشيوعية لنفسها كان لها تقدم سريع ومثير ، ولكننا نعرف جميعاً أنّ ذلك تمّ باللجوء إلى استخدام القوّة وسفك الدماء والدكتاتورية الشديدة ، في حين أنّ التقدم الفكري السريع والعميق إذا جرى في عمق أفكار المجتمع كان دلالة على أصالته ، ونحن نعلم بأنّ الإسلام قد انتشر في مناطق شاسعة في القرون الأولى من ظهوره بدون أن تطأها أقدام حتى جندي مسلم واحد . على كل حال إنّ الانتشار السريع للإسلام في ظاهر المجتمع البشري وباطنه ، وبمناطق شاسعة من هذا العالم ، وذلك في خلال برهة زمنية قصيرة أيضاً ، ليس بالشيء الذي يبقى خافياً على أحد ، والمثير أنّ هذا الدين ظهر في منطقة نصف متوحشة ، وبسط نفوذه على كل العالم المتمدن في ذلك الزمان وفي مدّة وجيزة . وهذا النفوذ السريع والشامل لازال يشكل لغزاً مُحيّراً للمؤرخين الكبار من غير المسلمين ، وكنموذج على ذلك : 1 - عندما يصل مؤلفو كتاب ( حضارة الغرب ومرتكزاتها في الشرق ) وهم ثلاثة من العلماء الغربيين المعروفين - إلى فصل ظهور وانتشار الإسلام ، يعترفون بصراحة قائلين : « كل المحاولات التي جرت لمعرفة الإسلام وانتشاره السريع - إلى الحد الذي استطاع أن يبسط ظلاله على القسم الأعظم من العالم المتحضر آنئذٍ في أقل من قرن - وعلى الرغم من كل التفسيرات والتحليلات التي وردت عن هذه الحقبة التاريخية فلا زالت هذه القضية باقية على شكل لغز من الألغاز » « 1 » .
هامش
( 1 ) حضارة الغرب ومرتكزاتها في الشرق ، فصل ظهور الإسلام وانتشاره .