تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
الأحكام والمقررات التي بينت على شكل حكم عام حينما تصل إلى موارد الضرر والحرج . يقول القرآن في موضوع النساء المطلقات : « وَلَا تُضَارُّوهُنَّ » . ( الطلاق / 6 ) ويقول في موضع آخر : « وَلَا تُمِسكُوهُنَّ ضِراراً » . ( البقرة / 231 ) ويقول في مورد الوصية : « مِن بَعدِ وَصيَّةٍ يُوصَى بِهَا أو دَينٍ غَيرَ مُضَارٍ » . ( النساء / 12 ) ويقول في مورد الشهود وكتاب السندات : « وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ » . ( البقرة / 282 ) إنَّ هذه القاعدة المطروحة بشكل أكثر تفصيلا في الروايات الإسلامية تعتبر من القواعد المهمّة التي تقوم بتطبيق الأحكام الإسلامية ( من خلال التغيرات الطارئة على الموضوعات ) ، على الاحتياجات والضروريات الواقعية لكل زمان ، وقد تمّ شرح ذلك في كتب « القواعد الفقهية » ، وعلى أي حال فإنّ من الشواهد الأخرى لهذا المدعى هي : « قاعدة العدل والانصاف » ، وقاعدة : « عدم تكليف مالا يطاق » ، وقاعدة : « المقابلة بالمثل » ، في المسائل المتعلقة بالجنايات والقصاص والاضرار المالية ، وكلها لها جذور قرآنية ، وخلاصة الكلام : انطلاقا من « خاتمية نبوة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وفقاً للآية 40 من سورة الأحزاب » واستمرارية القرآن الكريم ، فإنّ القوانين القرآنية طرحت من الدقة بمكان بحيث لم تسنح لظروف الزمان وتحولات الظروف والمتطلبات البشرية التي عفا عليها الدهر وعلاها غبار الزمن الغابر . وفي الوقت التي كانت تسد الاحتياجات القانونية لعصر النبي صلى الله عليه وآله الذي هو عصر نزول القرآن كانت ناظرة أيضاً إلى الأزمنة والقرون الآتية ، ومن الأمثلة الرائعة والجلية هو مانلاحظه في الآية المتضمنة لمفهوم ( إعداد القوى ) وتعبئتها حفاظاً على بيضة الإسلام والمسلمين : « وَاعِدُّوا لَهُم مَّااستَطَعتُم مِّن قُوّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ » . ( الأنفال / 60 ) فمن جهة يضع بصماته على المستلزمات الضرورية لذلك العصر ويتحدث عن الخيول المُجرَّبة ، ولكن من جهة أخرى يُنوِّه إلى أصل عام يتوافق مع ذلك العصر ، ومع كل عصر
نفحات القرآن — صفحة 208 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي