نظنّكم كاذبين » ، بالقول : « قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّى وَآتَانِى رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ( تعصّباً وعناداً ) أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ » « 1 » .
قال الكثير من المفسّرين أنّ « البيّنة » تعني هنا المعجزة ، وعلى الرغم من المنقول عن ابن عبّاس أنّ المراد بالبيّنة هو الدليل المنطقي الجليّ ، لكن نظراً للتعبير ب « من ربّي » ولكون هذه البيّنة قد أقيمت في مقابل تكذيب نوح وأتباعه ، فلا يمكن أن يفهم منها سوى المعجزة ، وربّما كان مراد ابن عبّاس من الدليل الواضح نفس المعجزة أيضاً .
ونلاحظ في الآية السادسة تعبيراً آخر حول هذا الموضوع ألا وهو « البرهان » ، إشارة إلى معجزتي موسى المعروفتين واللتين وردتا في الآيات السابقة ، أي استبدال العصا بثعبان عظيم ، وبياض اليد ، يقول تعالى : « فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ » .
و « البرهان » : وعلى حدّ قول الراغب في المفردات يعني الدليل المحكم ، وقد اعتبره البعض مصدراً لمادّة « بَرَهَ - يَبْرَهُ » إذا ابيضّ ، وإطلاق هذه المفردة على الأدلّة المحكمة من باب بيانه للمطلب ، وتوضيحه له ، أو لأنّه يبعث على افتخار المتكلّم ، أو أنّه إشارة إلى الكلام الواضح الذي يعتريه الإبهام .
وفي « لسان العرب » فسّر البرهان بمعنى الدليل الواضح الذي يميّز الحقّ عن الباطل ، ومن هنا فسّر المفسّرون لفظة « برهانان » في ذيل الآية بمعنى الدليلين الجليين « 2 » .
لكن صاحب كتاب « التحقيق » يعتقد بأنّ استعمال لفظة البرهان بمعنى الدليل اصطلاح منطقي خارج عن دائرة اللغة ، وأنّ معناه هو ذلك الكلام الواضح الخالي من الإبهام ، أو الموضوع الواضح تماماً .
على أيّة حال ، ففي الآية أعلاه قد استعملت هذه اللفظة في التعبير عن المعجزة ، التي تعدّ دليلًا جليّاً وواضحاً على صدق مدّعي النبوّة ، أي النبي موسى عليه السلام هنا .
هامش
( 1 ) جملة « أنلزمكموها » هي بمثابة الجزاء للقضيّة الشرطية « إن كنت » .
( 2 ) تفسير الكبير ، ج 24 ، ص 238 .