تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
يمحو اللَّه ما يشاء ويثبت وعنده امّ الكتاب » ( أي اللوح المحفوظ ) » « 1 » . الطريق الثالث : للجمع بين هذه الآيات هو القول بانقسام أسرار الغيب إلى قسمين : أحدهما يختصّ به تعالى ولا يعرفه أحد سواه ، والآخر هو الذي يعلّمه لأنبيائه وأوليائه ، كما جاء في نهج البلاغة ذيل الخطبة المتقدّمة أنّه عليه السلام قال : « وَانَّما عِلْمُ الغَيبِ عِلْمُ الساعَةِ وَما عَدَّدَهُ اللَّه سُبْحانَهُ بِقَولِهِ : إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِلُ الْغَيث ( آخر آية من سورة لقمان ) ، ( لا اطّلاع لأحد على كمّه وكيفه وجزئياته وإن كان أصل نزوله قابلًا للإحتمال ) وَيَعْلَمُ ما فِي الأرْحام ( لم يكن اطّلاعه على جنسيته وهل أنّه ذكر أو أنثى فحسب ، بل على كلّ القابليات والمميّزات التي تكمن في جسمه وروحه ) وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدَاً وَما تَدري نَفْسٌ بِاىِّ ارضٍ تَمُوتُ » ( المراد هو العلم التفصيلي بهذه الأمور ) . ثمّ يضيف في خاتمة هذا الكلام : « فيعلم اللَّه سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو أنثى وقبيح أو جميل ، وسخي أو بخيل ، وشقي أو سعيد ، ومن يكون في النار حطباً ، أو في الجنان للنبيين مرافقاً ، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلّااللَّه ، وما سوى ذلك فعلم عَلَّمه اللَّه نبيّه فعلَّمنيه ، ودعا لي بأن يَعِيَهُ صدري ، وتضطَمُّ عليه جوانحي » « 2 » . وعلى هذا فالذي يختصّ بالذات المقدّسة هو العلم بكلّ خصوصيات وتفاصيل الأجنّة الروحية والبدنية . نفس هذا الكلام يمكن تطبيقه على نزول المطر وأعمال الإنسان أو مكان موته والذي لا يعلم جزئياته إلّااللَّه تعالى . الطريق الرابع للجمع بين هذه الآيات هو التفريق بين « العلم الفعلي » و « العلم الشأني والإستعدادي » ، إذ لا يخفى شيء عن علمه اللامحدود ، في حين أنّ الكثير من أسرار الغيب يمكن أن تغيب عن الأنبياء والأولياء فعلًا ، لكن اللَّه يعلمهم ذلك متى ما أرادوا ( طبعاً هذه
هامش
( 1 ) تفسير نور الثقلين ، ج 2 ، ص 512 ، ح 170 . ( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة 128 .
نفحات القرآن — صفحة 199 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي