تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
وأي ضلال وانحراف أعظم من يأتي بحديث عن الشرك والثناء على الأصنام بين آيات التوحيد ؟ وأي منطق أسوء من أن يضيف كلام الشيطان ( تلك الغرانيق العلى ) إلى كلام اللَّه تبعاً للهوى . والمثير هنا أنّ الآيات التي تتلوها تذمّ الأصنام والمشركين وتقول « إِنْ هِىَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ » . ( النجم / 23 ) أي عاقل يصدّق أنّ شخصاً رزيناً حكيماً وفي مقام النبوّة وإبلاغ الوحي ، يمدح الأصنام في الجملة السابقة ويذمّها بشدّة وعنف في جملتين بعدها ؟ ! كيف يمكن توجيه هذا التناقض الصارخ بين الجملتين تباعاً ؟ ومن هنا يجب الاعتراف بأنّ الانسجام القائم بين آيات القرآن هو بشكل يرفض كلّ شبهة تضاف إليها من قبل المعاندين والمغرضين ، ويثبت كونها جملة غريبة وإضافة غير متجانسة وأنّها ليست في محلّها ، هذا هو المصير الذي ابتلي به حديث الغرانيق بين طيّات آيات سورة النجم . وهنا يبقى سؤال واحد ، وهو البحث عن السرّ وراء كلّ هذه الشهرة ، التي لاقاها موضوع تافه لا أساس له كهذا ؟ جواب هذا السؤال ليس بتلك الصعوبة أيضاً ، إذ إنّ الفضل في شهرة هذا الحديث يعود بالدرجة الأولى إلى مساعي الأعداء والمرضى ، الذين يظنّون أنّهم قد عثروا على أداة جديدة للطعن في مقام عصمة نبي الإسلام واصالة القرآن ، وبناءً على هذا التحليل يتّضح شهرته بين الأعداء وهو ممّا لا يخفى ، امّا شهرته بين المؤرخّين الإسلاميين المسلمين فعلى حدّ قول بعض علماء الإسلام ، ناتج من كون هؤلاء المؤرخّين يبحثون عن كلّ ما هو مثير وغريب وفريد من نوعه وإن كان يفتقر إلى الاصالة التأريخيّة لدرجه بين طيّات كتبهم ، ليزيدوا من جاذبيتها قدر المستطاع ، ونظراً لكون قصّة كأسطورة الغرانيق حادثة غريبة تنسب إلى حياة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله فلم تخلُ منها كتبهم التأريخية ، بل وحتّى الروائية منها