تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
أمّا المقصود من « الجهر بالسوء » ، فقد قال بعض المفسّرين : إنّه بمعنى لعن المظلوم للظالم ، وفسّره البعض الآخر بالسّب والشتم ، والبعض الآخر بمعنى الترافع إلى القاضي ، أو بمعنى تعرية ظلم الظالمين أمام الناس في الغيبة والحضور . « لكن مناسبة الحكم للموضوع » توجب إباحة هذه الأمور في مجال دفع الظلم ، وكسب الرأي العام ضد الظالم فقط ، لذا فمن الأفضل أن تنحصر مسألة سب وشتم الظالمين بالمجال الذي تكون عاملًا مساعداً للنهي عن المنكر ومحاربة الظلم والفساد . وجملة « وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً » تصلح في أن تكون مستثنى ، كما تصلح أن تكون مستثنى منه أيضاً ، أي أنّها تحذير للمغتابين الذين لم يتعرضوا للظلم ، كما أنّها تحذير للمظلومين لئلا يتعدوا حدود اللَّه ، ويراعوا العدل والانصاف . والجدير بالذكر هو أنّ السبب في ذكر صفتي السميع والعليم يكمن في تحدث الآية عن الجهر بالسوء ودوافعه الذاتيّة الخفية ، فقالت : بأنّ اللَّه يسمع هذا الكلام ، وهو عليم بنيّات المظلومين الذين يجهرون بمظلوميتهم . وأمّا ما قاله البعض : من أنّ مفهوم الآية هو جواز رد الشتم بالمثل ، كما لو قال أحد لشخص : ( أيّها الزاني ) ، يجوز لهذا الشخص أن يرد عليه بذلك ، خطأ كبير . لأنّه يجب مواجهة ظلم الظالم بإحقاق الحق ، لا بارتكاب ظُلمٍ آخر ، ويجب النهي عن المنكر ودفع شر الظالم ، لا ارتكاب منكرٍ آخر وإيجاد ظالمٍ آخر . على أيّة حال ، فإنّ هذه الآية تدلّ على رفض الإسلام الركون إلى الظالمين ، بعكس ما نسبه البعض إلى السيّد المسيح عليه السلام من أنّه قال : « لو ضربك أحد على خدّك الأيمن ، فقدم له خدَّك الأيسر » !

جهادكم :

اللَّه يرى ويعلم ، في الآية الرابعة نُلاحظ تعبيراً جديداً أيضاً ، حيث أمرت الناس بالالتفات إلى هاتين الصفتين الإلهيتين ( السميع والعليم ) ، قال تعالى : « وَقَاتِلُوا فِى سَبْيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا انَّ اللَّهَ سَمِيْعٌ عَلِيمٌ » .
نفحات القرآن — صفحة 84 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي