تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
نستحضر في أذهاننا صوره فحسب ، لأنّ علمنا علم حصولي يتحقق بواسطة المفاهيم والصور الذهنية فقط ، وبما أنّ علم اللَّه علمٌ حضوري فهو لا يعرف أي لون من الوساطة والمفاهيم ، فكيف يمكن تصوُّر علمه بالحوادث الماضية ؟ الجواب : يمكن الإجابة عن هذا السؤال والإشكال بثلاث طرق : 1 - إنّ اللَّه محيط دائماً بذاته المقدّسة التي هي علّة جميع الكائنات ، وهذا العلم الإجمالي بجميع حوادث وموجودات الوجود أزلي وأبدي ( أي قبل الإيجاد وبعده ) . وبتعبير آخر لو علمنا علل الأشياء ، لاستطعنا أن نعلم نتائجها ومعلولاتها أيضاً ، لأنّ كُل علّة تستبطن جميع كمالات معلولها وأكثر . ويمكن شرح هذا الكلام بشكل أوضح كما يلي : إنّ الحوادث الماضية لم تنمح تماماً ، فإنّ آثارها موجودة في طيّات الحوادث الآنية ، وكذلك بالنسبة إلى الحوادث المستقبلية فهي غير منفصلة عن الحوادث الآنية ، ولها علاقة معها ، وعليه ف « الماضي » و « الحاضر » و « المستقبل » يشكلون معاً سلسلة شبيهة بالعلة والمعلول ، بحيث لو اطّلعنا على كل واحدة منها بدقّة ، لشاهدنا فيها الحلقات القبلية والبعدية لهذه السلسلة . فمثلًا لو أحَطْتُ علماً وبدقّة بمناخ جميع الكرة الأرضية ، وبكل مميزاته ، وجزئياته ، وعلله ، ومعلولاته ، وحركة الكرة الأرضية ، ومسألة الفعل ورد الفعل ، لاستطعتُ أن أحيط علماً بوضعية المناخ قبل أو بعد ملايين السنين بصورة دقيقة . لأنّ شواهد الماضي والمستقبل موجودة فعلًا ، لا الشواهد الإجمالية بل تفصيلات الشواهد المنعكسة في جزئيات الحاضر . فالحاضر يعكس الماضي ، والمستقبل يعكس الحاضر ، والإحاطة العلمية الكاملة بجزئيات الحاضر ، معناها الإحاطة الكاملة بحوادث الماضي والمستقبل . لذا فعندنا تكون حوادث الحاضر ماثلة بين يدي اللَّه تعالى بجميع خصوصياتها ، فإنّها بمعنى مثول الماضي والمستقبل أيضاً بين يديه عزّ وجل . فالحاضر مرآة للماضي والمستقبل ، ويمكن مشاهدة جميع الحوادث الماضية والمستقبلية في مرآة الحاضر ( فتأمل ) .