كانت هذه مجموعة من الأمور التي تشكّل دوافع وأُسسَ مذهب منكري العدل في الماضي والحاضر .
نقد وتحليل
لنتطرّق الآن إلى نقد وتحليل هذه الإشكالات :
1 - أمّا فيما يخصُّ الدليل الأول فقد تحدثنا بما فيه الكفاية عن كون إنكار العدل يقود إلى إنكار المستقلّات العقليّة ، ويلزم أن نؤكّد من جديد بأنّ منكري الحسن والقبح ، لا ينكرون هذا المعنى أبداً من الناحية العمليّة ، فما يقولونه لا يتجاوز ألسنتهم وحواراتهم ونقاشاتهم ، وأمّا لو وجّه أحدٌ صفعةً إلى أحد أطفالهم الصغار ، أو أحْرقَ دارهم من دون مبرّر ، لا ستقبحوا هذا العمل ، ولما تردّدوا في التسليم بقبحه عن طريق تشخيص الوجدان ، وسيحكمون قطعاً بوجوب معاقبة هذا الشخص ، ولما صبروا أبداً لينظروا إلى كون قباحة هذا العمل وردت في آية أو رواية أمْ لا .
ولو أصابهم الجوع والعطش في الصحراء ، وجاءهم أحدٌ بالماء أو الغذاء ، أو حمل مريضهم على كتفه عدّة كيلومترات ليوصله إلى المستشفى ، وينجيه من الموت المحتَّمِ ، لما تردد أحدٌ منهم في حُسن هذا العمل والثناء على فاعله ، ولما قالوا : أمهلونا لنرى فيما إذا كانت الروايات والآيات قد مدحته وشكرته ومجّدته أم لا !
ويوجد الكثير من قبيل هذه البحوث في المباحث العقلية وهو أن يتعرض أفراد مُعَيَّنون لضغوط مسائل جانبيّة فينكرون حقائق معينة بألسنتهم ، في حين أنّهم يؤمنون بها تماماً من الناحية العمليّة ( كالسوفسطائيين الذين ينكرون الوجود الخارجي لجميع الأشياء ، لكنهم عملًا يجتنبون النار ويذهبون لتناول الماء عند العطش ) .
علاوةً على هذا فإنّ قبول المستقلّات العقليّة هو العمود الأساس في قبول نبوّة الأنبياء ، وبدونها لا يمكن تصديق كلام أي نبي ، ولما كانت معجزاتهم دليلًا على صدقهم ، لأنّ بإنكار