وفي المقابل ، كان الكثير من حكّام بني العبّاس يميلون إلى الأشاعرة ، ويضربون أعناق القائلين بحدوث كلام اللَّه ، في حين أننا اليوم نعلم بأنّ كل هذه الأمور كانت ألاعيب سياسيّة ظهرت بشكل مسائل عقائدية ، وكان الحكّام الجبابرة آنذاك يلعبون بمعتقدات المسلمين من أجل بلوغ مقاصدهم المشؤومة ومواصلة تسلُّطهم على رقاب الناس .
3 - ( التكلُّم ) في الروايات الإسلامية
نواصل هذا الكلام برواية منقولة عن الإمام الصادق عليه السلام ، نقلها الشيخ الطوسي رحمه الله في ( الأمالي ) عن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال :
« لم يزل اللَّه جلّ اسمه عالماً بذاته ، ولا معلوم ، ولم يزل قادراً بذاته ولا مقدور ، قلتُ :
جُعِلْتُ فداك : فلم يزل متكلّماً ؟ قال : الكلامُ محدث ، كان اللَّه عزّوجلّ ليس بمتكلّم ثمّ أحدث الكلام » « 1 » .
وقد نقل المرحوم الكليني قدس سره نفس هذا الحديث في الكافي مع تفاوُتٍ بسيط ، حيث ورد في ذيله بصراحة :
« إنَّ الكلام صفةٌ مُحدَثة ليستْ بأزليّة ، كان اللَّه عزّوجلّ ولا متكلّم » « 2 » .
تُبيّن هذه العبارات بوضوح الفرق الموجود بين ( صفات الذات ) و ( صفات الفعل ) ، صفات الذات التي كانت منذ الأزل كالعلم والقدرة ، ولا تحتاج ( في تحقُّقها ) إلى وجود المخلوقات ، أمّا ( صفات الفعل ) فهي صفات خارجة عن الذات الإلهيّة وقد انتزعها العقل عند صدور الأفعال من قِبَلِ اللَّه تعالى ، ومنسوبة إليه ( كالخالقيّة والرازقيّة ) ، وصفة ( التكلُّم ) من هذا القبيل أيضاً لأنّها نوع من الفعل والحركة ، ونحن نعلم بأن ليس للحركة طريقٌ إلى الذات الإلهيّة المقدّسة .
هامش
( 1 ) بحارالأنوار ، ج 4 ، ص 68 ، الباب 1 ، ح 11 ، .
( 2 ) أصول الكافي ، ج 1 ، ص 107 ( باب صفات الذات ) .