تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات القرآن — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
إلى جميع صفات اللَّه تعالى السلبيّة ، وهي من الأمور التي يشترك في ذكرها جميع موجودات عالم الوجود . واستعمال صيغة الفعل المضارع المستمر في فعل ( يُسبّح ) يدل على استمرار وديموميّة هذا الأمر ، منذ بدء الخلق وسيبقى حتى النهاية ، ويجب أن يكون كذلك ، لأنّ وجود الأفعال يُبيّن دائماً صفات الفاعل . والطريف أنّ هذه الآية هي الآية الأولى من سورة الجمعة ، وتُعدُّ مقدّمة لبيان فريضة صلاة الجمعة العباديّة السياسيّة . لأنّها تلفت أذهان الناس إلى كون مسألة العبادة والتقديس للَّه سبحانه برنامجاً عاماً ومستمراً من قبل جميع ذرات الوجود ، وتحثهم على الانضمام معها في هذا الذّكر ، ومواكبة أمواج الوجود في هذا البرنامج المقدس ، والخضوع لساحة الباري الحاكم القدوس والقادر الحكيم « 1 » . وفي الآية الثانية تجلّى هذا الكلام بلباسٍ آخر ، فضمن تأكيدها على توحيد اللَّه تعالى وبيانها لبعض صفاته وأسمائه الحسنى ، وصفته بصفة ( القدّوس ) المبينّة لجميع الصفات السلبيّة ، قال تعالى : « هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَاإِلَهَ إِلَّا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ » . وكما أشرنا في شرح مفردات الآيات فإنّ ( القدّوس ) صيغة مبالغة للقداسة ، وتعني منتهى نزاهة الذات والصفات والأفعال والأحكام الإلهيّة من كلّ عيبٍ ونقص ، وهي تعبير مختصر وغني جامع لجميع الصفات السلبيّة . فهو ليس منزّه عن وجود نقصٍ في ذاته فحسب ، بل إنّ إيجادَه وخَلقه وتكوينَه وتشريعَهُ منزّهٌ عن أي عيب ونقص أيضاً ، لأنّها جميعاً تنبع من ذلك الكمال المطلق ، ومن فيوضاته وإفاضاته سبحانه ، وجميعها ذات صبغة إلهيّة ، وجميعها كاملة .
هامش
( 1 ) أوردنا في التفسير الأمثل بحوثاً عديدة حول عموم التسبيح لموجودات العالم وبيان كيفية هذه المسألة المهمّة . راجع ذيل الآية 44 من سورة الإسراء ، وذيل الآية 141 من سورة النور .