خلق السماوات والأرض ، أو إشارةٌ إلى ما يُعرفُ اليوم لدى علماء الفلك حيث إنّ جميع هذه الأجرام والمنظومات كانت في اليوم الأول على هيئة مجموعةٍ كبيرة مرتبطة ببعضها ، وانفصلت عن المركز نتيجة لحركتها حول نفسها وبتأثير القوة الدافعة لها عن المركز ، وألقت بقطعٍ منها إلى الخارج وظهرت المنظومات والمجرّات الثابتة والسّيارة « 1 » .
على أيّة حال ، سواء كان المشركون هم المخاطَبون في هذه الآية أو منكرو وجود اللَّه تعالى ، أو كلاهما ، فانّه يستفاد من هذه الآية الكريمة هذه الحقيقة ، وهي أنّ الَّتمعنَ في خلق السماوات والأرض يكفي لأنّ يقتلع كُلُّ نوعٍ من أنواع الشك والريب في وجود اللَّه ووحدانيته وقدرته من قلب الإنسان .
ويشير في الآية العاشرة إلى خاصّية أخرى من خصائص السماء والأرض إذ يقول تعالى : « وَالسَّمَاءَ بَنَيْناهَا بِأَيْيْدٍ » .
فمن المسلَّم بهِ أنّ خلقَ مثل هذه العوالم الجبّارة يستلزم قدرةً مناسبةً له ، وهي قدرة الباري عزّ وجّل وحدها .
ويضيف فيما بعد « وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ » .
وبالرغم من أنَّ بعض المفسّرين اعتبروا ذلك بمعنى توسعةِ الرزق عن طريق هطول المطر وغيره « 2 » لكن يبدو أنّ للآية معان بالغة الأهمية والدقّة ، حيث اتّضح ذلك لعلماء عصرنا الحاضر ، وقد أميط اللثام عن معجزة من المعجزات العلمية للقرآن ، وهي أنّ العالم في حال اتساع وبصورة مستمرة ، وأنّ النجوم والمجرات والأجرام تبتعد عن بعضها بشكل سريع .
هامش
( 1 ) يقول الراغب في المفردات : « فَطْر » على وزن « سَتْر » أي الشَّقُ طولياً ، ثم جاءت بمعنى الايجاد والإبداع ، و « فِطْر » ( على وزن مِتْر ) تعني الافطار وترك الصيام ، وكأنَّ الصيام ينفطر ، ( والفطرة تعني الخلقة وهي مأخوذة من هذه المادة أيضاً ) .
( 2 ) وقد فسَّر بعض المفسرين لفظة ( موسعون ) بمعنى ( قادرون ) أيضاً ، لأنّه مفردة ( الوسع ) تأتي أحياناً بمعنى « القدرة » ، أمّا مفهوم « التوسيع » فهو أوضح .