وقد تحدثت الآية الثالثة عن تسبيح وحمد جميع الكائنات للَّه ، فجميعها بلسان حالها وبالنظام الدقيق والعجيب الذي يهيمن عليها - تحمد وتثني على اللَّه وتشهد بنزاهته عن أي نقص وعيب ، وتملأ العالم بلسان حالها - أو بقولها إضافة إلى لسان حالها - بهمهمة التسبيح والتحميد ، وكل ذرة في هذا العالم بلا استثناء لها عقل وعرفان وشعور خاص بها ، تحمد اللَّه وتثني عليه بمعرفة ، وقد شرحنا هذين الرأيين في التفسير الأمثل « 1 » .
وعلى أيّة حال ، فنحن لا نستطيع فهم لسان حال الموجودات لأننا لا نعرف كل شيء عن أسرار هذا العالم ونظامه ، كما لا نستطيع فهم ما تقول أيضاً .
ومن هنا يتّضح أنّ العالم مليءٌ بالهمهمة والألحان الإلهيّة ونحن غافلون عن ذلك لأننا لم نحط به خبراً ، وهذا دليل واضح على كون علمنا البشري محدوداً .
جج
وتحدثت الآية الرابعة عن « الجهاد » وتقول للذين يكرهون الجهاد : أنتم تجهلون « الخير » و « الشر » ولا تميزون بينهما ، فانّكم أحياناً ما تكونون في حرب مع مصالحكم وقد تتقدمون نحو الشر حبّاً ورغبةً فيه ، وهذا دليل واضح على علمكم المحدود حيث إنّكم لا تميزون أحياناً بين ما هو شرٌ لكم وما هو خيرٌ لكم ، إلّاأنّ اللَّه يعلم ذلك وقد أوضح بواسطة الوحي ( الذي هو أحد مصادر المعرفة ) وبيّنَ لكم ما فيه خير وما فيه شر .
إنّ الآية الخامسة مع إشارتها إلى عظمة خلق السماوات والأرض أشارت إلى حقيقة أن خلقهما أعظم وأهم من خلق الإنسان ، وأشارت أيضاً إلى عدم معرفة أكثر الناس لهذه القضية ، هذا في الوقت الذي كانت فيه معلومات الإنسان بصورة عامة وفي الحجاز بصورة خاصة محدودة تجاه خلق السماوات والأرض ، ولعلهم كانوا يتصورون النجوم آنذاك مسامير فضية في كبد السماء ، واليوم حيث توسعت معلوماتنا تجاه خلق السماوات والأرض ، فانّها لا زالت محدودة .
هامش
( 1 ) . التفسير الأمثل ، ذيل الآية 44 من سورة الإسراء .