وقد أكدت الآية السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة على مسألة « السير في الأرض » ، ودعت الناس إليه بأساليب خطابية مختلفة ، فمرة خاطبتهم ب : « أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُروا كَيْفَ كانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » ومرة « فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبينَ » بعد ما ذمتهم لعدم سيرهم في الأرض .
وفي آيات أُخَر خُوطِبَ جميع الناس أو المسلمين بالقول : « قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِى الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبينَ » .
وفي آية أخرى هناك دعوةٌ للناسِ لأنّ يسيروا في الأرض للبحث عن بدء الخلق والاستفادة من ذلك للعلم بكيفية النشأة الآخرة .
جج
وقد أكدت الآيات العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة على مسألة المشاهدة و « الرؤية » ليس بالعين الباصرة ، بل بالعقل والبصيرة .
إنّ الخطاب في الآيات الثلاث في الظاهر موجَّهٌ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلَّاأنّ المراد بها جميع المؤمنين ، بل الناس كافة ، والخطاب بصيغة استفهام تقريري ، حيث خاطبه اللَّه تارة بالنحو الآتي :
ألم ترَ إلى الذي ( أي نمرود ذلك السلطان الطاغي المغرور ) حاجّ إبراهيم في ربّه ، وإلى أيّ نهاية انتهى به المطاف ؟ وتارة يخاطبه بهذا الخطاب : « أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إرَمَ ذَاتِ الْعِمَاد » .
وخاطبه تارة أخرى بنحو آخر قائلًا له : « أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيْلِ » ، مذكّراً بقصة أصحاب الفيل الذين قدموا من اليمن لهدم الكعبة فانزل اللَّه عليهم طيوراً - بالرغم من ضعفها - ترميهم بحجارة من سجيل تحملها بمناقيرها فهلكوا بهذه الأحجار الصغيرة .
ومن المسلم به أنّه لا الرسول ولا غيرَه من المسلمين رأى إبراهيم ونمرود وسمعَ
نفحات القرآن — صفحة 132
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص١٣٢