وحيث إن الطلب والمنع على ذلك الحدّ لا يكون في شأن كل أحد ، فلا بد وان يكون في كل مجتمع أمّة تتصدّى لذلك ، والأمّة هذه عليها أن تعرف المعروف لتأمر به ، والمنكر لتنهى عنه ، وتعلم بالتخلّف ، وتكون على حد يؤثر أمرها ونهيها من غير ضرر وإضرار ، بلا اختصاص بمقام الحكومة والموظفين في شؤونها ، كما توهّم من كلمة الأمة ، وان كانت الحكومة أولى وأقدم وبيدها القدرة والسيف كما في الحكومة الاسلامية .
فلا تسلب المسؤولية عن مثل الأب بالنسبة إلى أولاده وأهله وأقربائه وقبيلته ، بل كل من كان أعلى من غيره بوجه ، فان الوجوب على الكفاية ، والمقطوع ان الغرض الأصلي تحقق المعروف وترك المنكر في الخارج في مجتمع المسلمين من غير دخل لنفس الأمر والنهي بل الآمر والناهي أيضا ، فلا وجه للاختصاص بعد تحقق شروطه الطبيعية .
وكيف كان فلا اشكال في دلالة الآية على أصل الوجوب وانه لو لم يكن في مجتمع اسلامي أمّة داعية إلى الخير وآمرة بالمعروف وناهية عن المنكر ، يعاقب جميع أفراد المجتمع بحكم الكفائية .
وحيث إن الدعوة إلى الخير - ولو من غير أمر ونهي - كثيرا ما تنتهي إلى اتيان المعروف وترك المنكر ، بل هي من عوامله المهمة ، فلا يبعد استظهار وجوب وجود الأمة الداعية إلى الخير أيضا من الآية الكريمة على طريق تعدد المطلوب ، حتى يكون لذكر الدعوة الأعم وجه ، والفلاح يتوقّف عليها أيضا .
الثانية : قوله تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ .
( آل عمران [ 3 ] الآية 110 )
الآية الكريمة تمدح المؤمنين بأنهم خير أمّة أخرجت للناس وأفضل مجتمع