صراحة الآية المباركة تلزم المؤمن المقاتل حال لقائه بالكفار زحفا « 1 » وجمعا تلزمه الثبات والمقاومة في المقابلة والمقاتلة معهم ، وتحرّم الآية المباركة أيضا تولية الدبر ، وصرف الوجه إلى الخلف عنهم ، وان من ولى دبره يومئذ فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ، فهو من الكبائر كما أثبتناه في كتاب المحرّمات ، إلا أن يكون التولّي تكتيكا حربيا ، كالتحرّف عن القتال أو التحيّز ، وأخذ الحذر ، وما شابهه ، الذي يورد التشكيك والالتباس على الخصم ، وعندئذ يمكن احاطته ومحاصرته مما هو ظاهر عند العقلاء وولاة الأمر في الحرب على اختلاف شروط الزمان والمكان .
الثبات وعدم التنازع
الثامنة : قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ .
( الأنفال [ 8 ] الآية 45 و 46 )
إنّ الله تعالى يأمر المؤمنين في هذه الآية المباركة عند لقائهم مع فئة من الكفّار في الحرب والقتال يأمرهم بالثبات وذكره تعالى كثيرا المؤيّد له ، ويأمرهم أيضا بترك التنازع الموجب للاختلاف والتشتت المزيل لعظمة المسلمين وشوكتهم ، فتذل رقابهم للأجانب والأعادي ، ثم يأمرهم تعالى بالصبر إيجابا فإنه تعالى مع الصابرين فيقول :
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ . . .
( محمد [ 47 ] الآية 35 ) ويقول :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ . . .
( البقرة [ 2 ] الآية 155 ) ، ويقول :
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
هامش
( 1 ) - وفي المفردات أصل الزحف انبعاث مع جرّ الرّجل كانبعاث الصبي قبل أن يمشي . . . وكالعسكر إذا كثر فيعسر انبعاثه ، فينطبق على التحرّك الجمعي .