ويشكو إلى الله بثّه وحزنه ، فأنزل الله تعالى قوله
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها
، فأمر الله تعالى بالانصراف عن القبلة الأولى إلى الأخرى ، بقوله تعالى :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ . . .
ولو في داخل بيت المقدس
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
« 1 » وكان ذلك في المدينة في أوائل الهجرة المباركة ، وبين الصلاة ، فهال ذلك على البطّالين والسفهاء من اليهود ، الذين أوتوا الكتاب مع أنهم يعلمون انه الحق من ربهم فقالوا :
ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ) ،
وتأوّلوا ان هذا الأمر المهم موكول بشخص ، أو انه يتم على رأيه ، وفسّروا تحويله بالأوهام والأخيلة ، فقال تعالى لرسوله ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) في حقهم
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ
فإنهم لئن أتيتهم بكل آية ما تبعوا قبلتك ولئن اتبعتهم ما تبعوا قبلتك ، كما أنهم لا يتبع بعضهم قبلة بعض ، فإنهم المعاندون المجادلون الضالّون ، وبعد ذلك ليس عليك رعايتهم أو مماشاتهم ، وان أمر التشريع بيد الله تعالى وان له المشرق والمغرب ، وانه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
فالواجب بعد ذلك تولّي الوجه شطر المسجد الحرام وجعله قبلة ، والمستفاد من قوله تعالى :
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
ان كل جزء منه قبلة ، وهو خلاف الظاهر ، ولا سيما بعد ظهور قوله تعالى
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
فيمن كان خارجا عن المسجد ، وان عليه التولّي والتوجّه إليه ، واما من كان فيه فيستشعر حكمه وهو استقبال الكعبة الصادق عليه التولّي نحو المسجد الحرام بنحو مطلق .
فالقبلة لمن كان في المسجد هي الكعبة ، ولمن كان خارجا عنه هي المسجد الحرام سواء كان في مكّة أو في بلد آخر ، الّا انه باستقباله بلدة مكة يصدق عليه
هامش
( 1 ) - وقد كان رسول الله ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) والمسلمون يتجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس ويجعلونه قبلة لهم ، وكذا الكعبة المقدّسة قبل التحويل وبعده ، فالقبلة الكعبة ، وفي الافراد والجمع تصريح بعد اختصاص ذلك بنفسه الشريفة كما هو ظاهر .