كما تذكّر الآية اتخاذ مقام إبراهيم مصلّى من الذين كانوا يردون إلى البيت بعد جعل ذلك تشريعا من الله تعالى ، أو باتخاذهم ذلك عملا لرجحان فيه ؛ قرئ بصيغة الماضي مؤيدا بسابقة ولا حقة في عهدنا أو بصيغة الأمر .
كما تذكر وقت ما عهد الله تعالى إلى خليله إبراهيم ( عليه السّلام ) وأمره أن يطهّر بيته للطائفين العابدين الركّع السجود المصلّين المتقرّبين إليه بالعكوف عليها وفيها .
والانصاف أنّ ملاحظة الآية مع لاحقتها ترشد إلى أن ذلك كلّه إجابة لدعوة خليل الرحمن إبراهيم ( عليه السّلام ) حيث يقول
: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ . . . ،
وإن خصص الخليل دعاءه الثاني -
مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
وقد أجابه الله تعالى مطلقا فقال :
قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
( البقرة [ 2 ] الآية 126 ) وكذلك إجابة لدعائه ( عليه السّلام ) عند إسكانه ذريّته بواد غير ذي زرع عند بيت الله الحرام ليقيموا الصلاة بطلبه فقال :
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ .
( إبراهيم [ 14 ] الآية 37 )
فقد جعل الله تعالى البيت الحرام ملجأ ومثابة للناس يهوون إليه ، وجعل مكة بلدا آمنا يأمن فيه كل ذي نفس ورزق أهله من الثمرات .
إلا أنه تعالى أمر خليله ( عليه السّلام ) بتطهير البيت من كل لوث ينافي عباد الله تعالى فيه ومن الأوثان والأرجاس للطائفين والعاكفين والركّع السجود تقدمة للإجابة ، لئلا يضلّ الناس عند هويهم إليها وعكوفهم لديها بمشاهدة الأصنام ومزاولة الأرجاس .
والحاصل ان الآية تشير إلى أن البيت كان معبدا ومثابة يحج الناس إليه للعبادة بالطواف والصلاة والعكوف بعد دعائه ( عليه السّلام ) وكان عليه تطهيرها لهم ، فهي الآن كذلك ، لا بد وأن يكون مثابه ، وعلى عباد الرحمن تطهيرها من كل لوث وتهيئتها للعباد .