تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
يشتركان في كثير من الأفعال والآثار ، إلّا أنّ النفاق لا يكون إلّا في موت القلب والكفر الخالص ، ولكنّ مرض القلب يجتمع مع ضعف الإيمان والشكّ والتردّد ، فيميل مع كلّ ريح ويتبع كلّ ناعق . وأما المنافق فهو يبطن الكفر ويظهر الإيمان ليستميل المؤمنين ويكون معهم ظاهرا ، لتنفيذ مآربه كما حكى عنهم عزّ وجلّ في مواضع من القرآن الكريم ، وربما يشتركان في عدم استقرار الإيمان وعدم اشتمال باطنهم منه ، كما يتّفقان في بعض الأفعال . وقد يكون مبدأ النفاق هو مرض القلب ، فإذا لم يعالجه صاحبه ينتهي به إلى الكفر والنفاق ، كما قال عزّ وجلّ :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
- إلى أن قال تعالى : -
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
. . .
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ
. . . [ سورة البقرة ، الآية : 7 - 20 ] فإنّ المستفاد منها أنّ القوم كانوا في ابتداء أمرهم مرتابين فزادهم اللّه مرضا حتّى هلكوا بإنكارهم الحقّ واستهزائهم له . ثمّ إنّ مرض القلب تقابله سلامته التي هي الاستقامة مع الإيمان والطاعة للّه عزّ وجلّ والرسول واتّباع أحكامه وعدم اتّباع الهوى والإعراض عمّا سوى اللّه تعالى ، قال عزّ من قائل :
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
[ سورة الشعراء ، الآية : 89 ] ، فإنّه يدلّ على أنّ سلامة القلب إنّما تكون في الانقطاع إليه عزّ وجلّ والخلوص والإخلاص له والإعراض عمّا سواه تعالى . وعلى اختلاف درجات الانقطاع إليه والخلوص له تختلف درجات السلامة ، وبذلك يمكن أن يعالج مرض القلب ، فإنّه يتحقّق بالإيمان به عزّ وجلّ والاعتصام بحبله وإصلاح النفس والإسراع بالتوبة إليه عمّا فعل من الموبقات ، وترويض القلب على الطاعة وحسن النيّة والعمل الصالح ، وقد ورد جميع ذلك في القرآن الكريم ، وقد تقدّم في قوله تعالى :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ
- الآية - [ سورة البقرة ، الآية : 177 ] ، الذي جمع الكمالات الواقعيّة المعنويّة والظاهريّة وطرق معالجة الأمراض النفسيّة التي تؤثّر