تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
لشدّة ارتباط القلوب بالأبدان ، ومن المعلوم أنّ المرض إذا أحلّ في مكان ، فلا بدّ أن لا تكون هناك صحّة ، إذ المرض والصحّة متقابلان ، تقابل العدم والملكة ، لا يتحقّق أحدهما في محلّ إلّا بعد إمكان تلبّسه بالآخر ، فإنّه لا يتّصف الجدار بالمرض لعدم شأنيّته للصحّة ، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في أكثر من عشرة مواضع ، قال تعالى :
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ
[ سورة الأنفال ، الآية : 49 ] ، وقال تعالى :
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً
[ سورة الأحزاب ، الآية : 12 ] . والمستفاد من مواضع استعماله أنّ مرض القلب يخرج صاحبه عن الاستقامة ويوجب انحراف الشخص عن سواء الطريق ويجعل صاحبه في معرض الشكّ والارتياب ، كما قال عزّ وجلّ عنهم في الآية السالفة :
ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً
، فيكدر صفو الإيمان باللّه ورسوله ، ويسلب الطمأنينة إلى آياته وتشريعاته ، ويوجب خلط الإيمان بالشرك ، فلا يقدر صاحبه على التمييز بين ما هو نافع له أو ضار . ولذلك ترى أنّه يصدر عن صاحب هذا القلب في مقام العمل ما يناسب الشرك والكفر باللّه تعالى وآياته ، حتّى يصل إلى حدّ الكفر . ويختلف هذا المرض كسائر الأمراض الجسمانيّة شدّة وضعفا وكثرة وقلّة ، كما تدلّ عليه الآية الشريفة :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
[ سورة البقرة ، الآية : 10 ] ، وقال تعالى :
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ
[ سورة التوبة ، الآية : 125 ] . ويستفاد من الآية الشريفة أنّ هذا المرض ربّما يزيد ويستقرّ في القلب حتّى يطبع المريض في مرضه ، ثمّ ينجرّ به إلى الهلاك والموت على الكفر ، لكثرة معاصيه وموبقاته ، قال تعالى :
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ
[ سورة الروم ، الآية : 10 ] . ثمّ إنّ ظاهر قوله تعالى :
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ *
[ سورة الأنفال ، الآية : 49 ] أنّ الذين في قلوبهم مرض غير المنافقين ، وإن كانا
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 309 | السيد عبد الأعلى السبزواري