تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
العصمة فيه لا توجب سقوط التكاليف عنه صلّى اللّه عليه وآله ، فهو مختار في كلّ فعل ، إلّا أنّ العلم الذي علّمه اللّه تعالى يمنعه من ارتكاب السوء والفحشاء ، وقد تقدّم الكلام في ذلك فراجع . قوله تعالى :
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
. تطييب لنفس الرسول الكريم وإرشاد له صلّى اللّه عليه وآله بأن لا يحزن إذا تولّوا عن الدعوة وأعرضوا عن قبول ما أنزله اللّه تعالى ، فإنّهم غير معجزين اللّه تعالى ، وأنّ حكمه نافذ وسيحاسبهم على ما أجرموا ، والآية الشريفة تبيّن ضلالهم بعد ما بيّنت أنّهم فاسقون قد خرجوا عن طاعة اللّه تعالى عندما أعرضوا عن قبول حكمه ، وفي قوله تعالى
فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ
، إيماء إلى أنّ توليهم هذا إنّما هو بتسخير إلهيّ ، لأنّهم سلبوا التوفيق عن أنفسهم بالإعراض عمّا أنزله اللّه تعالى ، فلا موجب للحزن عليهم بعد ما اختاروا ذلك بأنفسهم ، كما يدلّ عليه قوله تعالى :
فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً . إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا . وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً
[ سورة الكهف ، الآية : 6 - 8 ] ، فإنّه يدلّ على أنّ اللّه إنّما خلق الدنيا وما فيها لأجل اختبار الإنسان وامتحانه في قبوله الحقّ وتمييز المحسن الذي أحسن عملا عن المسئ الذي أساء في عمله ، فهو الذي يختار أحد الطريقين ، وقد بعث اللّه تعالى الأنبياء والمرسلين مبشّرين ومنذرين ، لينيروا لهم الطريق ، فلا موجب للحزن عليهم ، وإنّما ذكر عزّ وجلّ :
بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
، وهو ذنب التولّي والإعراض الذي هو ذنب عظيم ، إيذانا بأنّ لهم ذنوبا ، فهذا واحد من جملتها ، وإيماء بتغليظ العقاب ، فإنّه يكفي أن يؤخذوا ببعض ذنوبهم ، أيّ بعض كان ، فيهلكوا أو تسوء عاقبتهم ، فيكون الإبهام لتعظيم ذنب التولّي . وفي الآية الإشارة أيضا إلى كمال لطفه بعباده ، بأنّه لا يأخذهم بجميع ذنوبهم دفعة وحدة . قوله تعالى :
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ
. تعليل لما سبق ، أي : أنّ اللّه تعالى إنّما أضلّهم ويصيبهم ببعض ذنوبهم ، لأنّهم فسقوا عن أمر ربّهم وأعرضوا عن قبول ما أنزله اللّه ، وفيه التسلية للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله عن
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 277 | السيد عبد الأعلى السبزواري