تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
وهذا القسم يختصّ بالحكم بما أنزل اللّه تعالى ، وهو الحقّ الذي لا محيص عنه ، والعلم بأنّه حقّ ، ومنه يعلم أنّه لا تكرار في المقام ، فإنّ الآيات السابقة إنّما تضمّنت بقية الأقسام ، فكان الأمر بالحكم بما أنزل اللّه تعالى عقيبها لبيان الحكم الواقعيّ ، ونفي ما عداه ، مضافا إلى أنّ آية المقام تأمر بالحكم بما أنزل اللّه تعالى وتحذّر من اتّباع أهواء الناس ، لأنّ الحق قد وضعت معالمه واستقرّت دعائمه وأركانه بنزول هذه الشريعة ، فالواجب على الناس أجمعين أن يستبقوا الخيرات في تطبيقها . وأما قوله تعالى في الآية السابقة
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
، فإنّه أمر بالحكم بما أنزل اللّه تعالى بعد بيان نوعية المخالفة ، ويبيّن أنّ توليهم عنه كاشف عن إضلال إلهيّ لفسقهم ، كما قال تعالى :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
[ سورة البقرة ، الآية : 26 ] ، فيكون توطئة لهذه الآية ، وهي توضح ما تضمّنته الآية السابقة وتبيّن ما أجمل فيها ، فإنّ إعراضهم عمّا أنزل اللّه تعالى إنّما هو لأجل كونهم فاسقين ، وقد أراد اللّه تعالى أن يصيبهم ببعض ذنوبهم . وممّا ذكرنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسّرين من تفسير الآية الشريفة ، فإنّه من التطويل الذي لا طائل تحته . قوله تعالى :
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ
. تحذير أكيد له صلّى اللّه عليه وآله من إضلالهم له صلّى اللّه عليه وآله بالصرف عن بعض ما أنزل اللّه إليه ، وقطع لأطماعهم فيه صلّى اللّه عليه وآله ، وإعادة ( ما أنزل اللّه إليك ) لتأكيد التحذير بتهويل الخطب . فإنّ لهم أساليب متعدّدة خفيّة وجليّة في إضلال الناس وإغوائهم ، وقد حكى عزّ وجلّ جملة منها في مواضع من القرآن الكريم وكشف عن بعض أساليبهم الخبيثة التي لها تأثير كبير في هذا المجال ، قد تخفى على كثير من الناس ، إلّا من عصمه اللّه تعالى . ومنه يظهر أنّ أمره صلّى اللّه عليه وآله بالحذر عن فتنتهم مع كونه معصوما ، إما لأجل إعلامه صلّى اللّه عليه وآله بفظاعة الأمر وشدّته ، فإنّ فتنتهم له بالصرف عن بعض ما أنزل اللّه إليه ولو كان أقلّ قليل ، هو عظيم عند اللّه تعالى ، أو لأجل التأكيد له بأنّهم جادون في إضلاله صلّى اللّه عليه وآله ولو كان في أقلّ قليل من الحكم ، ولهم في ذلك أساليب متعدّدة ، أو لأجل تعليم غيره صلّى اللّه عليه وآله من امّته من الحذر منهم ، أو لأجل بيان أنّ
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 276 | السيد عبد الأعلى السبزواري