تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
قوله تعالى :
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
. أي : أنّ أهل الإنجيل لما علموا بأنّ ما ورد فيه هو من اللّه تعالى ، فلا بدّ أن يذعنوا به ، ويستسلموا لأحكامه تسليم إذعان وطاعة ، ومن جملة ما يجب الإذعان به هو الإيمان برسالة خاتم الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله والطاعة له . قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
. تشديد في الأمر وتأكيد في الحكم بما أنزل اللّه ، والفسق هو الخروج عن طريق الشرع المبين والعقل ، أي : أنّ أهل الإنجيل إذا لم يحكموا بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون ، لأنّهم حرّفوا دين اللّه وخرجوا عمّا أمره عزّ وجلّ بالاعتقاد بالوحدانيّة والعمل بشريعة موسى عليه السّلام ، فهم بدّلوا ذلك وأسّسوا لهم دينا مستقلا ، واعتقدوا التثليث ونبذوا الوحدانيّة المأمور بها ، ففسقوا عن أمر ربّهم . والآيات مطلقة لا تختصّ بقوم أو طائفة معينة ، وهي تشمل جميع صور الحكم التي هي أربع : الأولى : ما إذا علم بما أنزل اللّه ولكنّه أعرض عنه وعانده ، فهذا كافر ويدخل في قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
. الثانية : ما إذا علم بما أنزل اللّه ولكنّه ردّه بأن غيّره أو بدّله ، وهذا ظلم يدخل في قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
. الثالثة : ما إذا لم يعلم بما أنزل اللّه تعالى وحكم به ، فهذا هو الفسق ويدخل تحت قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
. الرابعة : ما إذا علم بما أنزل اللّه تعالى وحكم به فهو الحقّ ، ويدلّ عليه قوله تعالى فيما يأتي :
فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ
[ سورة المائدة ، الآية : 48 ] . والصورتان الأولى والثانية يتّصف بهما اليهود ، كما عرفت . وأما الثالثة فيتّصف بها النصارى ، فإنّهم خرجوا عن دين اللّه بما أوّله المتأوّلون ، فاشتبه الأمر عليهم . ولعلّ ما ورد في بعض الروايات من تقسيم القضاة إلى أربعة مأخوذ من