تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
والظاهر من السياق هو الوجه الأوّل ، فإنّ الصفات التي يذكرها عزّ وجلّ فيما يأتي هي لبيان حال الطائفة الثانية من المسارعين في الكفر ، وأما المنافقون المذكورون في صدر الآية ، فإنّ حالهم لا توافق هذه الأوصاف وإن كان بعضها توافقهم . لكنّ العبرة بظاهر اللفظ ، والمنساق منه هو ما ذكرناه . قوله تعالى :
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
. بيان لحال الذين هادوا بذكر أوصافهم ، والجملة خبر لمبتدأ محذوف ، أي : هم سماّعون ، واللام إما للتقوية كما في قوله تعالى :
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ *
. أو للتعليل ، أي : سماّعون الكلام ليكذبوا عليك . والمعنى : أنّهم يكثرون من سماع الكذب ، مع العلم بأنّه كذب ، ومن داوم على سماعه كان كاذبا . ويحتمل أن يكون المراد من قوله تعالى :
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ
، سماّعون للكذب فيك ، كما يحتمل أن يكون المراد منه . سماّعون كلامك ليكذبوا عليك ، وقوله تعالى :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
قرينة على الثاني ، ولعلّ حذف المتعلّق يشمل الجميع ، فإنّهم ما رسوا كلا الكذبين . قوله تعالى :
سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ
. أي : كثير السماع سماع قبول وطاعة لقوم آخرين من اليهود لم يحضروا مجلسك إما خوفا أو إفراطا في البغضاء . ويحتمل أن يكون المراد منه سماّعون منك لأجلهم ، وللإنهاء إليهم ، وكلاهما محتمل فيهم ، فإنّهم قوم توغّلوا في البغضاء والعداء للحقّ وأهله ولشخص الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وآله ، كما حكى عزّ وجلّ عنهم في مواضع متفرّقة من الكتاب العزيز . قوله تعالى :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
. صفة أخرى لهم ، وقد ذكرها عزّ وجلّ في عدّة مواضع من القرآن الكريم بأساليب مختلفة حتّى عرف اليهود بأنّهم أهل التحريف . والمراد من قوله تعالى :
مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ
، أي : من بعد استقرار الكلم في المواضع التي وضعها اللّه تعالى فيها ، وهو يدلّ على زيادة في التشنيع .