تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
والأكبر ، كما أنّ المراد من سبيله هو الجهاد في ما يرتضيه تبارك وتعالى . فيكون المعنى : جاهدوا أنفسكم بحملها على اتّباع الحقّ وابتغاء الوسيلة إليه عزّ وجلّ ، وكفّها عن الأهواء ، وجاهدوا أعداء اللّه تعالى الذين يصدّون عن الحقّ ، واحتمل بعضهم أن يكون المراد منه هو الجهاد مع الكفّار ، نظرا إلى تقييده بكونه في سبيل اللّه تعالى ، الذي إذا ذكر مع الجهاد يكون المراد منه القتال ، بخلاف ما إذا أريد الأعمّ فإنّه يكون خاليا عن التقييد ، كقوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
[ سورة العنكبوت ، الآية : 69 ] . وعلى هذا ، يكون ذكره بعد الأمر بابتغاء الوسيلة إليه من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ لأهمّيّته . إلّا أنّه ممّا يبعد هذا الاحتمال سياق الآية الشريفة والقرائن المحفوفة بها ، التي تدلّ على أنّ المراد منه الأعمّ ، والتقييد بكونه في سبيل اللّه لا يصرفه عن المعنى العامّ ، لا سيما بعد كون الجهاد مع النفس من أصعب الأمور ، وتتداخل فيه كثير من الأوهام والظنون ، وهو مزلّة الأقدام وممتحن الرجال ، فلا بدّ من تحديد مسلكه وتعيين طريقه بكونه في سبيل اللّه ، لئلّا يكون مرتع الشيطان ، ونظير هذا قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ
[ سورة البقرة ، الآية : 218 ] . قوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
. أي : إذا تحقّق ذلك كلّه منكم فهو السبب للفوز بالفلاح ، الذي هو أقصى الغايات وأبعدها ، فإنّه الوصول إليه عزّ وجلّ والفوز بكرامته والسعادة في المعاش والمعاد ، وهذا هو الكمال الذي يسعى إليه الإنسان في سعيه وتحمّله الجهد والمشقّة في ابتغاء مرضاة اللّه تعالى والتقرّب إليه . قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
. تعليل لمضمون ما قبله ، وتأكيد على وجوب مراعاة الأحكام السابقة ، وترغيب في المسارعة إلى تحصيل الوسيلة إليه عزّ وجلّ ، وبيان إلى بطلان ما توسّل به الكفّار يوم القيامة للنجاة من العذاب . والآية تدلّ على أنّ سبب الفلاح والنجاة