تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
شبهاتهم التي غرّتهم في دينهم ، والخطاب يتضمّن اللطف في الدعوة ، وهو تأكيد للخطاب السابق في الدعوة إلى الإيمان ، إلّا أنّهما يفترقان في أنّ الأوّل دعوة إلى الرسول الذي أيّده اللّه تعالى بكتاب يهدي بإذنه عزّ وجلّ إلى ما فيه الخير والسعادة ، وهذا الخطاب يتضمّن مضافا إلى الدعوة إلى ما ورد في الخطاب السابق ، أنّه يقطع جميع الأعذار عنهم ، فيكون سياقه إتمام الحجّة عليهم ، مع أنّه لا يخلق هذا الخطاب عن لطف ، فإنّه عزّ وجلّ بعد ما أقام الحجّة عليهم بدحض دعاويهم الباطلة ، حسن منه أن يذكّرهم بحجّته عليهم يوم القيامة إذا أصروا على غرورهم ولجاجهم وضلالهم . وحذف المتعلّق في قوله تعالى :
يُبَيِّنُ لَكُمْ
، تفخيما للأمر وتعميما له ، ليشمل كلّ ما هم محتاجون إليه في سبيل سعادتهم الدنيويّة والاخرويّة ، وما يوجب صلاح أنفسهم وإصلاح أمورهم الفرديّة والاجتماعيّة ، الماديّة والمعنويّة . ويدخل فيه بيان ما كانوا يخفون من الكتاب ، وما يدلّ على أنّه حجة اللّه تعالى عليهم ، وما بيّنه عزّ وجلّ في دفع شبههم ودعاويهم ، فيكون من أقوى الأدلة على أنّه رسول اللّه تعالى نزل عليه الوحي المبين . قوله تعالى :
عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ
. مادة ( فتر ) تدلّ على السكون وزوال الحدّة من الشيء ، قال الراغب : « الفتور : سكون بعد حدّة ، ولين بعد شدّة ، وضعف بعد قوّة » ، فتختصّ هذه المادة بالسكون الخاصّ ، لا كلّ سكون ، وفي حديث ابن مسعود لما مرض بكى فقال : « إنّما أبكي لأنّه أصابني على حال فترة ولم يصبني في حال اجتهاد » ، أي : في حال سكون وتقليل من العبادات والمجاهدات . والمعنى : على سكون خال عن ظهور رسول من رسل اللّه تعالى ، وعلى انقطاع من الوحي ، فكانت الحاجة ماسّة إلى بيان الشرائع والأحكام بعد ما كتموها .