تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
ذلك ، ولعلّ النكتة في المقام هي دفع دخول طعام أهل الكتاب في المحرّمات من حيث كونها مصاحبا لمن حكم بكفره ، ونجاسته ، وخبثه ، وقذارته . أو لرفع التنافر والتباغض بين الطائفتين المؤمنة والكافرة بعد بسط الإسلام ، ومع أنّه يمكن أن يراد من قوله تعالى :
وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ
حلّية بذل الطعام لهم بالبيع ونحوه من المعاملات وغيرها . ثمّ إنّ الطعام في الأصل يطلق على كلّ ما يذاق ، ويؤكل ، ويقتات ، وقد وردت هذه المادّة مكرّرا في القرآن الكريم بهيئات مختلفة ، قال تعالى :
فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا
[ سورة الأحزاب ، الآية : 53 ] ، أي : إذا أكلتم ، وقال تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي
[ سورة البقرة ، الآية : 249 ] ، أي : لم يذقه ، وقال تعالى :
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ
[ سورة آل عمران ، الآية : 93 ] . وهو يشمل كلّ ما يقتاته الإنسان ، فالعموم يشمل ذبائح أهل الكتاب كما يشمل غيرها من الأطعمة . لكن ذكر أهل اللغة أنّ الطعام قد يطلق ويراد به البر خاصّة ، بل لعلّه المتبادر إذا اطلق ، ولهذا ورد في جملة من الروايات المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام أنّ المراد من الطعام في الآية المباركة هو البر وسائر الحبوب والفاكهة ، غير الذبائح الّتي يذبحونها ، فإنّها إمّا غير قابلة للتذكية - كالخنزير - أو ما يقبلها ولكن لا تتوفّر فيها شروط التذكية الإسلاميّة ، وهذا هو المخصّص لعموم الطعام لو كان له عموم يشمل غير الحبوب ، فيكون وجه اختصاصها بالذكر مع دخولها في الطيبات هو دفع توهّم دخولها في المحرّمات ؛ لأنّها مصحوبة لمن حكم بكفره ونجاسته وقذارته . ومن ذلك يظهر فساد ما ذكره جمع في الآية الشريفة من أنّ الحكمة إنّما تظهر في حلّية الذبائح دون غيرها ؛ لأنّه لم يختلف أحد في حلّه ، فإنّ هذه الحكمة خلاف الحكمة كما عرفت ، ويشهد لذلك أمور :