تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
أنّها مترابطة ومتكاملة ، ويعتبر كلّ واحد منها نعمة على الإنسان ، كما يدلّ عليه ما ورد في تشريع الوضوء والتيمم في قوله تعالى :
وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
[ سورة المائدة ، الآية : 6 ] . كما أنّ كلّ واحد من تلك الأحكام يكون اللاحق منها مكملا للسابق وكمالا له ، ويعدّ كلّ تشريع من التشريعات الإلهيّة دعامة من دعامات هذا الدين ، وسببا في تقويته وتثبيته ومنعته وصدّه لكيد الكافرين ومكرهم الّذين ما برحوا في تفويض هذا البنيان المنيع وإطفاء نور اللّه تعالى ، ولهم في ذلك أساليب مختلفة كما حكى عزّ وجلّ في القرآن الكريم وحذّر المؤمنين من كيدهم ومكرهم وخدعهم . وكان من جملة ما توسّلوا به في زعزعة هذا الدين هو افتتان المؤمنين وبثّ النفاق بينهم وإفساد دينهم بإلقاء الشبه والشكوك في نفوسهم ، وقد تصدّى الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وآله لدفع جميع ذلك وردّ كيدهم بوحي من السماء وإمداد ربوبي ، فعاش فيهم ثلاثا وعشرين سنة يكابد المحن ويكافح أعداء الدين ويجاهد مع المنافقين ، ويمدّه عزّ وجلّ بتوجيهات وإرشادات وينزل من الأحكام ما تطمئن نفسه الشريفة ونفوس المؤمنين ، حتّى نما الإسلام وقويت شوكته ودخل المشركون في هذا الدين وانمحت آثار الشرك من الجزيرة وعلت كلمته وظهر على الدين كلّه وإن كره الكافرون ، إلّا أنّه صلّى اللّه عليه وآله وإن أمن من كيدهم في حال حياته ، ولكنّه لم يأمن منهم بعد رحيله وغيابه عن جماعتهم ، وكان من أهمّ ما كان يمنّي أعداء الدين أنفسهم هو الانقضاض على هذه الشجرة الطيبة بعد موته صلّى اللّه عليه وآله ، فكانوا يفترون عزيمة النبي صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين بشتى السبل ، منها أنّهم كانوا يقولون : إنّ هذا النبي صلّى اللّه عليه وآله أبتر ليس له عقب يحفظ له دينه بعد موته ، وسينقطع أثره ويموت ذكره ولا يبقى دينه كما هو المشهود في موت الملوك والسلاطين ، فكان هذا الأمر من أهمّ ما كان يساور النبي صلّى اللّه عليه وآله ويهمه ويقلق باله . ولعلّه كان يرى أنّ هذا الدين لو بقي كذلك من دون أن يكون في البين تشريع يحفظه بعد ارتحاله صلّى اللّه عليه وآله يكون ناقصا ، وكان يخشى الكافرين أعداء هذا الدين من الانقضاض عليه مرّة أخرى وإفساده