تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
ذلك أنّ تشريع الحجّ لم يكن موجبا لإيئاس الكفّار وانقطاع الرجاء عن هذا الدين كما هو معلوم ، فتنقطع الرابطة بين الجملتين ، وهو خلاف ظاهر الآية الشريفة . الثاني : أن يكون المراد به إكمال الدين بنزول بقايا الحلال والحرام في هذا اليوم ، فلا حلال بعده ولا حرام ، وبه استولى اليأس على الكفّار وانقطع رجاؤهم عن هذا الدين . وفيه : مضافا إلى ما أورد على سابقه أنّ الأحكام لم تكمل يوم عرفة ، فقد نزلت بعده عدة أحكام كآية الصيف وآيات الربا ، كما دلّت عليه جملة من الأخبار . مع أنّ الكفّار الّذين انقطع رجاؤهم واستولى اليأس على نفوسهم ، هل هم مشركوا قريش ؟ فقد كانوا كذلك قبل نزول هذه الآية المباركة ، أم مشركوا العرب ؟ فقد خابوا عند نزول سورة براءة ، أم الكفّار مطلقا من غيرهم ؟ وقد عرفت أنّهم لم يكونوا آيسين يومئذ من الظهور على المسلمين . الثالث : أن يكون المراد به إكمال الدين بتخليص بيت اللّه الحرام من رجس الوثنيّة ، وبراثن الشرك ، وإجلاء المشركين عنه وخلوصه لعبادة اللّه الواحد الأحد . وفيه : أنّ الأمر كان كذلك بعد فتح مكّة قبل هذا اليوم بسنة ، يضاف إلى ذلك أنّ تسمية مثل ذلك كمالا للدين وإن كان فيه إتمام للنعمة مشكل ، فإنّ الدين مجموعة من الاعتقادات والتوجيهات والإرشادات القيمة الّتي توجّه الإنسان إلى الصراط المستقيم وتعدّه إعدادا علميّا وعمليّا وعقائديّا لنيل الكمالات الواقعيّة ، وليس في فتح مكة من الأهميّة العظمى الّتي يكون بها إكمالا للدين كلّه ، وإن كان له أهميّة من النواحي الأخرى الّتي لا يستهان بها كما هو معلوم . على أنّ إشكال يأس الكفّار يأتي في هذا الاحتمال أيضا ، كما هو واضح . الرابع : أن يكون المراد به إكمال الدين ببيان المحرّمات بيانا تفصيليّا ، بعد أن ذكرت على سبيل الإجمال في بعض السور المكّية ، لئلّا ينفر العرب من هذا الدين ويمتنعوا عن قبوله ، وليكون المسلمون على بصيرة منها فيجتنبوا عنها عن علم ومعرفة واطمئنان من دون خشية من الكفّار ، فإنّهم يئسوا من هذا الدين بعد