تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
فأورد في قلبه محبّة لمعبوده وتوجّها لخالقه ، ولم يصل الخليل إلى هذا المقام إلّا بعد اجتياز مراحل وطي منازل كثيرة ، وهي مرحلة الفتنة والافتنان ثمّ الامتحان ثمّ التسليم ، ثمّ العبوديّة ، ثمّ النبوّة ، ثمّ الرسالة ، ثمّ الخلّة ، ثمّ الإمامة ، وقد اجتازها إبراهيم عليه السّلام كلّها بأمان ، فخصّه اللّه تعالى بالخلّة والإمامة ، كما يظهر ذلك من الآيات الشريفة الّتي نزلت في حقّ إبراهيم عليه السّلام ، وفي الحديث عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام : « انّ اللّه تبارك وتعالى اتّخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتّخذه نبيّا ، وإنّ اللّه تعالى اتّخذه خليلا قبل أن يجعله إماما » ، ولعلّ ذكره في صدر الآية المباركة وتوصيفه بكونه حنيفا لأجل بيان استعداده لنيل مقام الخلّة . وأنّ ترك ما سوى اللّه تعالى وتسليم الأمر إليه عزّ وجلّ ممّا يوجب استعداد الفرد للوصول إلى هذه المنزلة . ثمّ إنّ الخلّة الإلهيّة كالخلّة الّتي هي بين الناس تبتني على فرط الحبّ بين الحبيبين وتخلّلها في القلب وتمازجها مع النفس ، إلّا أنّ الخلّة الإلهيّة تخالف الخلّة الدائرة بين الناس المبتنية على الأمور المادّية الّتي تكون الأواصر الدنيويّة فيها أشدّ من الأواصر المعنويّة الروحانيّة . وأمّا الخلّة الإلهيّة ، فهي ليس فيها خلل ، فقد أحبّه اللّه تعالى محبّة تامّة واصطفاه عندما أظهر صدقه وإخلاصه للّه تعالى ومحبّته له محبّة كاملة ملأت جميع مشاعره ، فلم يتوجّه إلّا إليه عزّ وجلّ ولم يتخلّلها وهن ولا ضعف ولا فترة ولا شائبة من شوائب المادّة ، وبذلك صار إبراهيم عليه السّلام خليلا للّه تعالى وبها أصبح قدوة لكلّ خليل إلهي وإماما لجميع الأنبياء والمرسلين . ومادّة ( خلل ) تدلّ على الحاجة والفقر ، ومنه سمّي الخليل خليلا ؛ لأنّ كلّ واحد من الخليلين محتاج إلى وصال الآخر وغير مستغن عنه ، وإلى هذا المعنى يمكن إرجاع بقية المعاني الّتي ذكرت لهذه المادّة ، فإنّ منها : الخلال ( بكسر الخاء ) ، أي : المودّة الّتي تتخلّل النفس وتخالطها ، بحيث تسلب منها الإرادة إلّا ما كانت في جهة إرادة الحبيب ، كما قال الشاعر :
قد تخلّلت مسلك الروح مني * ولذا سمّي الخليل خليلا
فإذا ما نطقت كنت حديثي * وإذا ما سكتّ كنت الغليلا
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 317 | السيد عبد الأعلى السبزواري