تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
من كثير من أمور الدنيا ، حتّى وصل الأمر إلى إهلاكهن عند بعض الأقوام ، كما كانت العادة عند مشركي العرب ، وقد تقدّم في قوله تعالى :
أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
[ سورة آل عمران ، الآية : 194 ] ، فراجع .

قوله تعالى : وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً

. تأكيد لما ذكره عزّ وجلّ آنفا من وصول كلّ من عمل الصالحات إلى الجزاء الحسن والثواب الجزيل ، من غير أن ينقص منه شيء ولو كان حقيرا تافها . كما يدلّ أيضا على أنّ النساء والرجال متساوون في نيل الجزاء ودرك الثواب ، ولا فرق بينهما في ذلك من حيث الزيادة والنقيصة ، إلّا أن يكون التفاوت من ناحية أعمالهم ، فلا يظلمون من أجور أعمالهم ولو كان بقدر النقير ، وهو الثقبة الصغيرة في ظهر النواة ، ومنها تنبت النخلة ، وصار علما للقلّة والحقارة ، وفي حديث ابن عباس في الآية الشريفة : « وضع طرف إبهامه على باطن سبابته ثمّ نقرها وقال هذا النقير » ، وتقدّم الكلام في آية 49 و 53 من هذه السورة في اشتقاق الكلمة . ونبّه عزّ وجلّ بعدم تنقيص الثواب ، فبالأحرى أن لا يزاد عقاب العاصي أيضا ، وإنّما لم يذكره عزّ وجلّ ؛ لأنّه أرحم الراحمين ، وفضل منه جلّت عظمته للعبيد ، والمقام مقام الترغيب إلى العمل الصالح ، وعن بعض أنّ الحكمة في ذلك - مضافا إلى ما تقدّم - لئلّا يفلس العبد لو اجتمع الخصماء في يوم القيامة عنده ، فيدفع إليهم واحدة ويبقى له البقية ، وهذا من لطفه وعنايته لعباده ؛ لأنّ مظالم العباد توفّى من التضعيفات لا من أصل الحسنات ، فما ذكره يرجع بالآخرة إلى ما تقدّم .

قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ

. بعد أن بيّن عزّ وجلّ أمر الدين وأنّ حقيقته عند اللّه تعالى هو الاعتقاد السليم والعمل الصالح ، وأنّ السعادة منوطة بهما معا ، كما أنّ الجزاء مطلقا - حسنا كان أم سيئا - إنّما يكون على الأعمال ن فلا جزاء بدون عمل ، ولا عمل بدون