تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
والنجوى : السرّ بين الاثنين ، وناجيته ، أي : ساررته ، تقول : ناجيت فلانا مناجاة ونجاء ، وهم ينتجون ويتناجون ، ونجوت فلانا انجوه نجوا ، أي : ناجيته ، وهو من نجوت السرّ أنجوه ، أي : خلصته وأفردته ، ومنه نجوّة الأرض ، أي المرتفع منها لانفراده بارتفاعه عمّا حوله . فالنجوى المسارّة مصدر ، وقد تسمّى به الجماعة ، كما يقال : قوم عدل ورضا ، قال تعالى :
وَإِذْ هُمْ نَجْوى
[ سورة الإسراء ، الآية : 47 ] ، أي : متناجون ، وفي الحديث : « دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه واللّه عليّا عليه السّلام يوم الطائف فانتجاه ، فقال الناس : لقد طال نجواه ، فقال : ما انتجيته ولكن اللّه انتجاه » ، أي : أنّ اللّه تعالى أمرني أن أناجيه . وفي الدعاء : « اللهمّ بمحمّد نبيّك وصفيّك ، وبموسى نجيّك » ، أي : المناجي والمخاطب معك . والضمير في
نَجْواهُمْ
يعود إلى القوم المختانين أنفسهم ، الّذين يبيّتون ما لا يرضى من القول ، والّذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من اللّه تعالى ، وقد غلب الشرّ عليهم فلا خير فيهم ، لا في أفعالهم ولا أقوالهم ولا في مناجاتهم فيما بينهم . وإنّما عبرّ عزّ وجلّ ب
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ
؛ لأنّ ما تناجوا فيه من الأمور الّتي نفى عنها الخير ، فلا يحتاج إلى النجوى فيها ، أو لأنّ النجوى إن كان راجعا إلى شؤونهم الخاصّة الّتي لا ربط لها بإبطال الحقّ وإحقاق الباطل ، فليس داخلا في مضمون الآية الشريفة ، وهي قليلة عندهم . أو أنّ نفي الخير عن الكثير راجع إلى نفي الخير كلّه ، باعتبار أنّ الكثير إذا لم يكن فيه الخير فقليله لا ينفع ؛ لأنّ النجوى مظنّة الإثم والعدوان ، قال تعالى :
إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
[ سورة المجادلة ، الآية : 10 ] ، وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ