تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
وهذا لا يدرك بالعقول القاصرة المشوبة بالمادّة الزائلة ، فلا يعقلها إلّا العالمون باللّه تعالى . وإنّ المقصود والأثر المطلوب من إقامة الصلاة معنويّتها ، لا مجرّد وجودها وشبحها ، فإنّ الإقامة هي الإكمال والإتقان ، يقال : ( فلان أقام داره ) ، أي : أكملها وجعل فيها كلّ ما يحتاج إليه . وإنّ إقامة الصلاة تعديلها من جميع الجهات - بالتوجّه فيها إليه تعالى والتقرّب بها لديه جلّ شأنه وحفظ أركانها وشرائطها حتّى تترتّب آثارها - فليس كلّ مصلّ مقيم ، وكم من مصلّ ليس له من صلاته إلّا التعب ، وفي بعض الأحاديث : « من لم تنه صلاته من الفحشاء والمنكر ، لم تزده من اللّه إلّا بعدا » ، وعن نبيّنا الأعظم صلّى اللّه عليه وآله : « إذا صلّى العبد فلم يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها ، لفت كما يلف الثوب الخلق ثمّ يضرب بها وجهه » ، فالمصلّون كثيرون والمقيمون قليلون وأهل الأشباح كثير وأهل القلوب وأرباب المعرفة قليل . والتعبيرات الواردة في القرآن الكريم في مدح المصلّين أكثرها وأغلبها جاء بلفظ الإقامة أو بمعنى يرجع إليها ، قال تعالى :
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
[ سورة البقرة ، الآية : 3 ] ، وقال تعالى حكاية عن إبراهيم ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) :
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ
[ سورة إبراهيم ، الآية : 40 ] ، وقال تعالى :
وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ
[ سورة الحج ، الآية : 35 ] ، وقال تعالى :
وَأَقامَ الصَّلاةَ *
[ سورة التوبة ، الآية : 18 ] ، ولما ذكر المصلّين بالغفلة قال تعالى :
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ
[ سورة الماعون ، الآية : 5 ] ، ولم يقل سبحانه وتعالى : فويل للمقيمين الصلاة ، وفي الحديث : « انّ العبد إذا قام إلى الصلاة رفع اللّه الحجاب بينه وبينه وواجهه بوجهه وقامت الملائكة من لدن منكبه إلى الهويّ يصلّون بصلاته » ، إلى غير ذلك من الروايات والأحاديث . والتوجّه أو الخشوع فيها على مراتب :