تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
بكلمة « لو » الدالّة على الامتناع ، فلم يكتب عليهم ذلك ، فتكون هذه الآية من موارد تطبيق الآية السابقة . وإنّما خصّ هذين الحكمين بالذكر لما فيهما من المشقّة والحرج الشديدين بالنسبة إلى الإنسان ، فإنّ الإنسان لشديد الحبّ للنفس والديار ، ويكره فراق الأحبّة وهجران الأخلّة . قوله تعالى :
ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
قرئ « قليلا » على أنّه صفة لمصدر محذوف ، أي : ما فعلوه إلا قليلا . أي : لم يطع منهم إلا القليل ؛ لأنّ فرض الحكمين إنّما كان لإظهاره قوة إيمانهم وثبات عزيمتهم ومقدار تقبّلهم لأحكام اللّه تعالى والطاعة له عزّ وجلّ ، فلم يفعل ذلك إلا قليل منهم ، وهم أصحاب العزائم القويّة الذين آثروا رضا اللّه تعالى على رضى النفس وحبّها . والآية المباركة تخبر عن امتناعهم عن امتثال الأحكام والتكاليف الحرجيّة والتوبيخ لهم . والاستثناء - بناء على التعميم لجميع المكلّفين واضح لا لبس فيه ، وهو استثناء متصل . وأما بناء على اختصاص الخطاب بالمنافقين فالاستثناء غير متصوّر ، إذ المنافق لا تطيب نفسه لما دون القتل ، فكيف به وبالخروج من الديار . لكن يمكن أن يقال إنّ الاستثناء إنّما هو لدفع توهّم استغراق الحكم واستيعابه للجميع ، فإنّ منهم المؤمنين حقّا ، المخلصين الذين سلّموا أمرهم إلى اللّه تعالى ، فلا يشملهم الحكم المزبور وإنّما دخلوا فيهم تبعا . بل يمكن أن يقال إنّ الأمر والتكليف اختباري ، وإنّه في مقام امتحان المؤمنين واختبارهم عن إيمانهم وطاعتهم وثباتهم ، فلا فرق حينئذ بين أن يكون الاستثناء متصلا أو منفصلا ، وقد تقدّم في قوله تعالى :
وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
[ سورة النساء ، الآية : 46 ] ما يتعلّق بالمقام .