تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
بل يمكن أن يقال : إنّ كلمة « أهلها » تدلّ على أنّه لا بد أن يكون المؤدّى إليه الأمانة له أهليّة الأمانة ، فتختصّ الآية الشريفة بأداء الأمانة للّه تعالى ورسله وأنبيائه العظام والأوصياء الأكرمين ، فإنّ لهم أهليّة أداء الأمانة ، وأما غيرهم فيكون ردّ أمانتهم لردّ أمانة أولئك المتقدّمين ، ويشهد لذلك تعقيب هذه الآية الكريمة بالحكم بالحقّ ، الذي هو حقّ إلهي وإطاعة اللّه والرسول واولي الأمر منكم ، فإنّه من باب التطبيق لتلك الأمانة التي أمرنا بأدائها إلى أهلها . والآية المباركة على ايجازها البليغ تشتمل على معان كثيرة دقيقة ، لا بد من الالتفات إليها ، فإنّها أوّلا نصّ عقائدي توجيهيّ بأداء الأمانة الكبرى ، وهي عبادة اللّه الواحد المتفرّد بالالوهيّة والحاكميّة المطلقة التي قرّرتها الآية الكريمة اللاحقة . ثم هي تتضمّن دستورا عمليّا مرتبطا بالعقيدة ، وهو تنظيم علاقات أفراد المجتمع الإسلامي على طبق الأمانة الكبرى ، وتنظيم علاقات الفرد مع خالقه . وثانيا : أنّ الآية الشريفة تدلّ على أداء الأمانة إلى من له أهليّة الأداء إليه ، وهو تارة : يكون من له الأهليّة الحقيقيّة الذاتيّة ، وهي تختصّ بالأمانة الكبرى وأولى الأمانات التي يتعلّق بها سائر الأمانات ويجب أن تؤدى إلى اللّه تعالى ، وهي تنحل إلى الإيمان بأنّه إله واحد لا شريك له المتفرّد بالالوهيّة وله الحاكميّة المطلقة والربوبيّة العظمى ، وتنحصر الطاعة الحقيقية له عزّ وجلّ ، وهذا هو الذي تحدّث عنه تعالى في الآيات السابقة ، نظير قوله تعالى :
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
[ سورة النساء ، الآية : 36 ] ، وقوله تعالى الذي بدأت هذه السورة به :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
[ سورة النساء ، الآية : 1 ] ، وسيأتي موارد في الآيات التالية بيان ذلك .