تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
وقد ذكرنا آنفا أنهم كانوا يدعون أن ذلك في كتابهم ، ويجعلونها من شريعة السماء . وقد أبطل سبحانه دعواهم ، وأثبت أن الكذب من عادتهم . وهم يعلمون أن ذلك تشريع باطل ، وافتراء على اللّه عز وجل ، وهو لا يأمر بالفحشاء والمنكر ، بل إن كتبهم المقدسة تأمرهم بالصدق في أقوالهم وأفعالهم ، وتنهاهم عن الخيانة ، والغدر والكذب ، مضافا إلى أن جميع ذلك من الأحكام العقلية التي استقل العقل بحسنها ، ويلزمهم الشرع بإتيانها . قوله تعالى :
بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى
. ردّ على مزاعمهم ، وتكذيب لدعواهم ، واثبات لما أراده اللّه تعالى من خلقه ، وهو الحق . وأوفى من الإيفاء وهو العطاء والبذل تاما من غير زيادة ولا نقيصة . ووفاء العهد هو حفظه ، ومراعاته والعمل به . وقد استعملت هذه المادة في القرآن الكريم بهيئات مختلفة ، فقد ورد فيه : وفي ، وأوف ، وأوفوا ، والموفون . والعهد عبارة عن الالتزام بشيء فيجب الوفاء به عقلا وشرعا ، بلا فرق فيه بين عهود اللّه تعالى مع خلقه ، أو عهود بعضهم مع بعض ، كما لا فرق بين العهود الخاصة بين بني إسرائيل ، والعهود العامة بين جميع الناس . والمراد بالعهود في المقام ما عاهده اللّه تعالى على عباده بواسطة أنبيائه من الإيمان به ، وعبادته ، والتصديق برسله والعمل بما أنزله عز وجل من مكارم الأخلاق وغيرها . وعلى هذا لا فرق بين رجوع الضمير في ( عهده ) إلى ( من ) المتقدمة ، أو اللّه في قوله تعالى :
« وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ »
. إذ العهود الواقعة بين الناس من عهد اللّه تعالى ، يجب الوفاء بها شرعا
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 79 | السيد عبد الأعلى السبزواري