والتقوى كما تقدم مكررا هي الطاعة للّه تعالى والاحتراز عن الوقوع في ما يوجب سخطه وعذابه ويلزم ذلك الشكر لنعمه ، وانما أمرهم بالتقوى لأنها جوهرة الكمالات الانسانية ومفتاح السعادة وأساس مكارم الأخلاق وبها يفوز العبد بالقرب إلى اللّه تعالى والبعد عن النار وهي تحفظ ايمان المؤمن وتزيده قوة وثباتا .
هذا ولكن التقوى على نحوين تقوى ظاهرية خالية عن الخلوص والإخلاص وباطنية حقيقة مشتملة عليهما وهي التي لا يشوبها باطل ولا فساد وهي ذكر المنعم بلا نسيان وطاعته بلا عصيان وبالجملة فهي العبودية المحضة التي لا كمال بعدها وهذا النحو من التقوى هو حق في نفسه وحق للّه تعالى وهي التي تليق بساحته تبارك وتعالى دون غيرها .
وقد ورد مثل هذا التعبير في ستة مواضع من القرآن الكريم قال تعالى :
« يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ »
البقرة - 115 وقال تعالى :
« جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ »
الحج - 77 وقال تعالى :
« فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها »
الحديد - 27 وقال تعالى :
« ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » *
الانعام - 91 ومثله في سورة الحج - 73 وسورة الزمر - 67 والمستفاد من هذا التعبير هو الأمر بالحقيقة الخالصة من شوائب الأوهام ، وتدل تلك الجملات على كمال الأهمية بالمورد حتى أنه تعالى نفى الحقية عن غيره كما هو المستفاد من النفي والإثبات وعرفان الحق لا يحتاج إلى البيان . فإنه نفس واقع الشيء على ما هو عليه في ذاته .
ويحتمل ان يكون المراد في قوله تعالى :
« حَقَّ تُقاتِهِ »
آخر مراتب التقوى وأعلا درجاتها التي من صفات الأنبياء والأولياء وهي حقيقة التقوى التي أوحاها عز وجل إلى أنبيائه وبشرت بها رسله وغيرها خارج عن تلك الحقيقة وليست شيئا زائدا عليها . نعم الاشتداد والتضعف