تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
ومواعظ ، وزواجر . وأما الشريعة والأحكام فهي مأخوذة من التوراة . والحقّ ما ذكرناه من أن المستفاد من الآيات الشريفة الواردة في شأن الإنجيل هو أنه يشتمل على إثبات بعض الأحكام ، التي هي أوفق بالحكمة والمصلحة الفعليّة ، وبعض المواعظ والأمثال والأحكام الأخلاقيّة الأدبيّة ، وهي بمجموعها مصدّقة لشريعة موسى ، ولذا كانت شريعة عيسى موافقة في الجملة والإجمال لشريعة موسى عليه السّلام ، وإن كانت الأولى أكمل من الثانية ، وقد نسب إلى عيسى عليه السّلام في الإنجيل : « ما جئت لأبطل التوراة ، بل جئت لأكملها » . قوله تعالى :
وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
. تأكيد لما سبق وتثبيت للحجّة ، وتمهيد لما سيأتي في قوله تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
. وفي الآية الشريفة الدلالة على أن كلّ ما أتى به عيسى عليه السّلام إنما هو من عند اللّه دفعا لتوهّم التضليل والغلو فيه . وإنما خصّ الربّ بالذكر ، لأنه القائم بشؤون خلقه والمراعي مصالحهم ، وهو الذي يسوقهم إلى الكمال . قوله تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
. أي : احذروا مخالفته وغضبه في الإعراض عن الإيمان بي والإيمان بآيات اللّه وشهادتها برسالتي ، واتقوه في الطاعة لي . قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ
. تصريح منه عليه السّلام بأنه عبد اللّه وأنه مبعوث من قبله جلّ جلاله ، وليس له شأن مستقل ، وبذلك ينتفي موضوع الغلو والحلول والوحدة والتثليث ونحوها فيه ، قوله تعالى :
هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
. شرح لقول عيسى بن مريم :
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ
، وبمنزلة العلّة لذلك . يعني : لا بد للإنسان أن يرد الصراط المستقيم ، وإني أبيّن لكم ذلك الصراط المستقيم ، فالتعليل تعليل عقلي ، وقضية حقيقيّة لجميع ما ادّعاه عيسى بن مريم ، بل وكذا بالنسبة إلى سائر الأنبياء عليهم السّلام .