تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
وقد أنزل معهم الكتاب والحكمة التي تحتوي على المعارف الإلهية والأحكام الشرعية التي تبتني على حكم ومصالح نوعية تجلب السعادة والخير للإنسان ويصل بها إلى الكمال المطلق ، وقد تكفلت لجميع جوانب الإنسان الفردية والنوعية ولم يهمل أمرا من الأمور الجزئية ، وجعل العمل بها من أجزاء الإيمان الصحيح والوصول إلى السعادة في الدارين . وأما إذا أهملها وخالف حل في البلاء والشقاء وسلب السعادة عن نفسه . ومن الموضوعات التي اعتنى بها الشرع القويم الربا وقد حرّمه اللّه تعالى وشدّد النكير عليه وجعل آكله محاربا للّه تعالى ولرسوله العظيم ، وبيّن سبحانه وتعالى في ضمن الآيات المتقدمة أمرين هامين لا بد من البحث حولهما وإمعان النظر فيهما لأنّهما يتكفلان جميع الآثار المترتبة على هذه الكبيرة الموبقة . الأمر الأول : قوله تعالى :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ
. والآية الشريفة تضع الحد الفاصل في كلّ ما يقال في هذا الأمر الخطير ، وترشدنا إلى حقيقة من الحقائق القرآنية التي تبيّن الوضع الإنسانيّ عند انتشار ظاهرة الربا في المجتمع ، وهي من ملاحم القرآن العظيم ، وتحدد سلوك الإنسان وأفعاله وأفكاره ، وتبيّن أنّ الربا يمنع الإنسان من القيام بالوظيفة التي قرّرها العقل والفطرة ، ويخرجه عن حالته الطبيعية المستقيمة الرشيدة ، فلا يكون فكره صحيحا منتجا ولا فعله متضمنا للخير والنفع وشبّه سبحانه وتعالى حال الإنسان المتعاطي للربا بحال المصروع الذي خرج عن الاستقامة والاستواء في أفكاره وأقواله وأفعاله ، وهو تشبيه واقعي حقيقي . فهو قد سلب عن نفسه تلك الحالة الهنيئة المطمئنة الآمنة القويمة ، وصار قرين المشاكل والآلام والانهيار الفكري ، وترشد الآية الكريمة إلى معنى أبعد من ذلك وهو أنّ الإنسان مع الربا لا يكون فكره قويما ومستقيما فلا تفيده النظريات والقوانين التي يجعلها لحلّ مشاكله ولجلب السعادة إليه ، فهي لا تكون منتجة ، بل هي مجرد أوهام تسكن إليها النفس برهة من الزمن لتخفّف عنها ما تكابده ولكنّها تعود بأشد مما كانت أولا بعد ما
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 457 | السيد عبد الأعلى السبزواري