تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
وأن يقتلها ويقطّعها ويمزج أجزاءها ، وأن يفرّق الأجزاء على الجبال المتباعدة ، وأن يدعوهنّ باجتماعهنّ عنده . وأن يكون كلّ ذلك بيد إبراهيم ( عليه السلام ) وبمباشرة من نفس السائل ، فهذه القيود كلّها دخيلة في الغرض ومنها يستفاد عظم السؤال والسائل . ومن ذلك يعلم المناقشة في كثير مما ذكره المفسرون في المقام كما سيأتي في البحث الدّلالي ما يرتبط به . ولعل ذكر الطيور بالخصوص واختيارها لأنّ فيها دقائق من صنع اللّه جلّ جلاله لا تكون في سائر الحيوانات ، فتكون الإعادة نظير قوله تعالى :
بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ
[ القيامة - 4 ] . أو لكون الطير أقرب إلى الإنسان فيصح أن يكون مثالا للحشر الأكبر ونفخة الإحياء ، وفي الطير خصال حسنة حثنا الشرع الأقدس بتعلّمها منهنّ فعن عليّ ( عليه السلام ) : « لو توكلتم على اللّه تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وترجع بطانا » . أو لأنّ الطير أخف وأسهل انتقالا ويكون قتله وتقطيعه وجعله أجزاء متفرقة في زمان أقل من غيره . ولا ريب في أنّ الطيور الأربعة من أنواع مختلفة لأنّ ذلك أتم وأكمل في إظهار قدرة اللّه تعالى وأدل على صنعه عزّ وجل . قوله تعالى :
ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً
. أي : اذبحهنّ وصيرهنّ أجزاء وامزج تلك الأجزاء لئلا تتميز ثم فرق تلك الأجزاء واجعل على كلّ جبل جزءا . وهذه الآية تدل دلالة واضحة في المحاورات العرفية على سبق الذبح والتقطيع والخلط ، فلا وجه لما عن بعض المفسرين من إنكار الدلالة . والوجه في العطف ب ( ثم ) الدال على التعقيب مع التراخي لأنّ هذه العملية إنّما تكون بعد إمالة الطيور وتأنيسها ومعرفة خصوصياتها وطباعها ثم