تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
قوله تعالى :
قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
. الإثم والأثام : هو العقاب ، وما يمنع عن الخير والثواب ، ولا يستعمل إلا فيما يوجب الشقاء والحرمان ، ويذهب السعادة والإيمان . ومادة ( نفع ) تأتي بمعنى ما يتوصل به إلى الخير ، ولها استعمالات كثيرة في القرآن الكريم بهيئات مختلفة ، وتستعمل في الدنيا والآخرة قال تعالى :
لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ
[ النحل - 5 ] ، وقال تعالى :
هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ
[ المائدة - 119 ] ، وإن كان ما يتوصل به شرّا فهو ضرّ ، قال تعالى :
وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً
[ الفرقان - 3 ] ، وفي العرف يستعمل النفع في المنافع المحرّمة أيضا ، وكذا في اصطلاح الفقهاء ، وهي ليست من الخير في شيء إلا أن يراد بالخير مطلق المنفعة والانتفاع ، كما هو الظاهر . فتتطابق اللغة والعرف والاصطلاح . والتنكير في الآية إشارة إلى هوان النفع ومجهوليته . وقد ذكر العلماء مضار الخمر والميسر ومنافعهما ، وصنفوا في ذلك كتبا كثيرة ، وقد أثبتت التجارب صدق ما قاله القرآن الكريم في شأنهما . قوله تعالى :
وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
. المراد من النفع : ما يقصده الناس وإن كان خياليا وهميا . والآية تبيّن واقعهما بما لهما من الآثار في الدّنيا والآخرة ، لاشتمالهما على ما يضرّ الفرد والمجتمع ، بل تأثيرهما في معيشة الإنسان ونسله في الدنيا وسوء العاقبة في الآخرة ، فإذا كان الأمر كذلك فيهما فلا بد للمؤمن أن يترك الإثم الكبير فيهما . وإنّما وصف سبحانه الإثم بالكبر دون الكثرة ، لبيان عظمة الإثم والعقاب حتّى كأنّ النفع في مقابله يكون معدوما ، ولذا أفرده عزّ وجل ولم يقل من منافعهما ، لأنّ العدد لا تأثير له في الكبر . ولم يصف سبحانه الإثم بالكبر إلا في الخمر والميسر . نعم ، وصف الشرك بالعظيم ، قال تعالى :
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً
[ النساء