تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
وغيره ، وقوة البصيرة ، وصفاء السريرة ، وتعلّم اللاحقين من السابقين كيفية مجاهداتهم واستقامتهم في الدين وما يترتب على ذلك من البشارة العظمى والأجر الجزيل كما في ذيل الآية الشريفة . ولا أثر لهذا الامتحان بالنسبة إلى علمه عزّ وجلّ فإن النّاس قبل الامتحان وبعده في علمه التام الأزلي على حد سواء . ولأجل ذلك لا يختص الاختبار ببعض الأفراد دون بعض بل يشمل جميع أفراد الإنسان حتّى الأنبياء والأولياء بل نقول إن ذلك من سنن الحياة الإنسانية . نعم ، تارة : يكون الامتحان لإتمام الحجة على نفس الممتحن ( بالفتح ) كما مر وهذا هو القسم الشايع وأخرى : يكون لأجل إتمام الحجة على النّاس بأن هذا الشخص خرج عن الامتحان وقابل للنبوة والإمامة كما بالنسبة إلى إبراهيم ( عليه السّلام ) ، وأما بالنسبة إلى سيد الأنبياء فإنه حاز مرتبة الجمع ويجل عن ذلك فإنه ( صلّى اللّه عليه وآله ) أول الخلق كان كاملا ومكملا ، وان « آدم ومن دونه تحت لوائه يوم القيامة » ، ولو كان عيسى وموسى ( عليهما السّلام ) حين لم يسعهما إلّا اتباعه كما ورد في الحديث ، وروى الفريقان إنه قال : « لي مع اللّه حالات لا يسعني فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل » وعلى فرض وقوع الامتحان فإنما يكون لتثبيت علو مقامه عند النّاس كما عرفت آنفا . قوله تعالى :
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
. أي : وبشر الصابرين على تلك المصائب الذين رضوا بقضاء اللّه تعالى وقدره وسلموا أمورهم إليه ولم تصدهم المحن والمصائب عن شكر اللّه تعالى ولا عن عبادته وطاعته . وإنما اطلق سبحانه وتعالى البشارة لعدم إمكان تحديد المبشر به بحد معين ، فإنه يختلف باختلاف مراتب الصبر والرضاء ، والمناط هو أهلية الصابر لتحمل البلاء والمحن خصوصا إذا اقترن مع الرضا والتسليم فإنه يكون حينئذ من أعلى الفضائل وأسناها كما قال عزّ وجلّ . قوله تعالى :
الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ