تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
تشير الآية الكريمة :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
[ سورة المائدة ، الآية : 48 ] . ولذلك رغب سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بالاستباق إلى الخيرات والمغفرة ، قال تعالى :
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
[ سورة الحديد ، الآية : 21 ] ، وقال تعالى :
أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ
[ سورة المؤمنون ، الآية : 61 ] . ومما ذكرناه يظهر الوجه في جعل نفس الخيرات ، والمغفرة ، أو الصراط سبقا ( بفتح السين والباء ) للإعلام بأنها هي الغاية المطلوبة ، والهدف المرجو في المسابقة . قوله تعالى :
أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً
. أينما : ظرف مكان يدل على العموم ويتضمن معنى الشرط وجوابه
يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ
، واللفظ شامل لجميع الحالات الممكنة الواردة على الإنسان وجميع التبدلات الحاصلة له من الجمع والتفرق ونحوهما ، وجميع ما يرد عليه من التقلبات والاستحالات من جوهر إلى جوهر ، أو صفة إلى أخرى . فهذه الجملة من أبرز مظاهر قيمومته وإحاطته على ما سواه عزّ وجل ؛ وذلك من شؤون القهارية والقدرة المطلقتين ؛ كما في قوله تعالى :
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
[ سورة النساء ، الآية : 78 ] ؛ وقوله تعالى :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
[ سورة الحديد ، الآية : 4 ] والآية نظير قوله تعالى :
يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ
[ سورة لقمان ، الآية : 16 ] . وجميع ما سواه عزّ وجل في مقابل عظمته وقدرته وقيمومته أصغر من حبة الخردل بل لا وجه لملاحظة النسبة بين المتناهي وغير المتناهي . وترتب الآية على قوله تعالى :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
من قبيل ترتب الجزاء على الشرط ، أي : انكم ترون نتائج استباقكم بأنفسكم ؛ فتشمل
مواهب الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 123 | السيد عبد الأعلى السبزواري