يشرب لا كلّ برد أعمّ ممّا يذوق الإنسان من النوم والشّراب والهواء . بل الظّاهر في المقام هو الماء البارد فقط في مقابل الشّراب المطلق من الأشربة الطيّبة الّتي تسكّن الحرارة . فلا حاجة إلى تأويل البرد بكلّ ما يستريح به الإنسان من الظلّ والنوم والماء وغيرها ، كي تصحّ مقابلته بالشراب . ولا وجه لتأويل قوله تعالى :
« لا يَذُوقُونَ »
أي : لا ينالون .
ولا يخفى أنّ قوله تعالى :
« لا يَذُوقُونَ »
كلام مستقلّ منفصل عن الآية السّابقة . ومفاد هاتين الآيتين من جملة أهوال القيامة وأفزاعها الشّديدة . وقد سيقتا في مورد التهديد والتّهويل جزاء على العصاة والجناة . فلا دليل على ما يقال إنّ قوله تعالى :
« لا يَذُوقُونَ »
حال من الفاعل في قوله تعالى :
« لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً »
وكذلك ما يقال : إنّه نعت للأحقاب .
قوله تعالى :
« إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً
( 25 ) » .
الحميم : الماء الحارّ . والغسّاق : الصديد ؛ وهو القيح الخارج من الجروح . وكلاهما مشروبان ؛ إلّا أنّ الأوّل يقابل الماء البرد ، والثاني يقابل الشراب من غير الماء . وهذا قرينة أخرى على ما ذكرنا في الآية السّابقة من أنّ البرد هو الشراب من الماء ، والشراب هو الأشربة النّافعة الدافعة الحرارة .
قوله تعالى :
« جَزاءً وِفاقاً
( 26 ) » .
الظّاهر أنّ قوله تعالى :
« جَزاءً »
مفعول له . أي : إنّ تلك العقوبات تفعل بهم جزاء لكفرهم وعصيانهم . وقوله تعالى :
« وِفاقاً »
مفعول مطلق نصب بفعل من جنسه . أي : يوافق الجزاء أعمالهم وفاقا . وما ذكر أنّ وفاقا مصدر بمعنى الفاعل ؛ أي :
جزاء موافقا ، فمتوقّف إثباته وإحرازه على استعمال المصدر بمعنى الفاعل سماعا أو بحسب القاعدة .
وقد اضطرب كلام المفسّرين في تفسير قوله تعالى :
« جَزاءً وِفاقاً »
في موافقته ، وفي معنى موافقة الجزاء للأعمال . قال الرازيّ في تفسيره 31 / 16 : وفي المعنى وجهان :
الأوّل : إنّه تعالى أنزل بهم عقوبة شديدة بسبب أنّهم أتوا بمعصية شديدة ، فيكون