الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » .
( 277 )
أقول : عطف الأعمال الصالحة على الإيمان ، وكذلك عطف إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الأعمال الصالحة لمزيد عناية في المقام بذكر الصالحات بعد الإيمان ، وبذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بعد الصالحات ، فإنّ الأجر الموعود في الجواب لارتفاع مكانته ودرجته لا يلائم ولا يناسب لمطلق الإيمان ، بل هي متناسبة لدرجة عالية من درجات الإيمان ، فإنّ قوله تعالى :
« لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ »
فيه عناية لثبوت الأجر المدّخر المحرز عند اللّه - سبحانه - وأنّ لهم الأمن المطلق من الخوف كلّه ، ومن الحزن كلّه في جميع المواقف .
وبديهيّ عند أولي الألباب أنّ هذا الأجر لا يلائم الدرجات المتوسّطة وأوائل مراتب الإيمان ، بل لا بدّ في الوصول إليه من طيّ كثير من مراتب الإيمان ونيل كمالات وعلوم وحقائق ، والقيام والوفاء في قبال ما علم وعقل عن اللّه تعالى ، فعطف الصلاة والزكاة على الأعمال الصالحة ، وكذلك عطف الأعمال الصالحة على الإيمان بعناية خاصّة ومزيد اهتمام بهما في الكلام ، فسياق الكلام وعناية المقام هو انتزاع درجة عالية من درجات الإيمان ، وبيان الجزاء الّذي يترتّب عليها ، فلا بدّ من ذكر الأعمال الصالحة ، وإقامة الصلاة التامّة بحدودها وشرائطها وإيتاء الزكاة لأهلها ، ولكلّ واحد منها في المقام شأن وأثر يخصّه ، فلو ذكر الإيمان فقط وسكت عن ذكر الشرائط - بناء على القول بشرطيّة الأعمال في الإيمان - ليجب على الفقيه تقييده بشرائط الإيمان بحسب الأدلّة المنفصلة الأخرى ، وكذلك بناء على القول بالشطريّة ، فإنّ الإيمان المطلق ينطبق على جميع درجاته ، فيوجب ذلك كون الجزاء المذكور في الآية على مطلق الإيمان ولو كان من درجاته النازلة ، وهذا ينافي ما ذكرنا من عدم تناسب الجزاء للمراتب السافلة من الإيمان .
فما من مورد سجّل اللّه على قوم الفلاح ، ووعدهم الأمان من كلّ خوف ، أو وعدهم مكرمة وموهبة خاصّة فوق ما وعده للأشخاص العاديين إلّا وفيه عدّة من هذه الخصال قال تعالى :
« أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » .
[ يونس