المنادي هو جبرئيل عليه السلام . والموقف الّذي نادته الملائكة هو أشرف المواقف الّتي أكرم اللّه بها أهل توحيده وطاعته ؛ وهي الصلاة الّتي هي منهاج الأنبياء ومعراج المقرّبين وقرّة عين سيّد المرسلين .
قال في المنار 3 / 297 : فالظاهر من معناه المتبادر عندي أنّه نودي وهو قائم يدعو بذلك الدعاء . . . فالصّلاة دعاء والدعاء صلاة .
وفيه أنّ الصلاة ليست بمعنى الدّعاء - كما هو المتعارف في الألسنة - بل الصلاة بمعنى التوجّه واللّين والخشوع . والصّلاة تتحقّق بالدّعاء أيضا فيكون الدعاء من مصاديق الصلاة فليس الدعاء والصلاة مترادفين ، فلا يجوز تفسير أحدهما بالآخر .
والظاهر من الآية الكريمة أنّ بشارة اللّه - تعالى - كانت بواسطة الملائكة ، ولكن قوله تعالى :
« يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى » .
[ مريم ( 19 ) / 7 ] ، يدلّ على أنّ البشارة كانت من اللّه مباشرة من دون أيّ واسطة . ويمكن أن يكون النداء والبشارة في موقفين تارة بالوحي المباشر وأخرى بواسطة الملائكة ، فإنّ سنّة القرآن الكريم - في غير أفعال العباد وآثامهم وجناياتهم - نسبة جميع الحوادث الواقعة في العالم إلى نفسه القدّوس سواء أكان وقوعها عن أسبابها أم لا ، فالأفعال الصادرة عنه - تعالى - بواسطة الملائكة المدبّرين ، إنّما تصدر عنهم بأمره - تعالى - وإذنه ، فصحّت نسبتها إليه تعالى ، فهذه الأفعال فعله - تعالى - بالحقيقة ، ونسبته المدبّرات بالعنايات المصحّحة لها . وأمّا ما نسب اللّه - تعالى - إلى نفسه فلا تجوز نسبته إلى المدبّرات ، إلّا بعد قيام قرينة قطعيّة أنّ هذا الفعل قد وقع من المدبّرات المسخّرة تحت أمره تعالى ، فما لم تقم قرينة قطعيّة على ذلك لا وجه لحمله على المجاز .
قوله تعالى :
« أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ » .
( 39 )
أخبر اللّه - سبحانه - عن الغيوب ، وبشّر زكريّا بغلام وسمّاه يحيى ، وأخبر بما يكرمه به من النبوّة ، واصطفائه بكراماته ومواهبه . وقد استجاب دعاءه وأعطاه