يؤمنون عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة ، ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقّوا منّي ثوابا ولا مدحا ، لكنّي أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرّين ؛ ليستحقّوا منّي الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنّة الخلد . . .
قال البيضاوي في تفسير 1 / 134 :
« لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » . . .
قيل إخبار في معنى النهي ، أي لا تكرهوا في الدّين ؛ وهو إمّا عام منسوخ بقوله :
« جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ » .
[ التوبة ( 6 ) / 73 ] أو خاصّ بأهل الكتاب ؛ لما روي أنّ أنصاريّا كان له ابنان ، تنصّرا قبل المبعث ، ثمّ قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال :
واللّه ، لا أدعكما حتى تسلما فأبيا ، فاختصموا إلى رسول اللّه ( ص ) فقال الأنصاري :
يا رسول اللّه أيدخل بعضي النار وأنا أنظر إليه فنزلت فخلّاهما .
وقال في الميزان 2 / 343 : فقوله
« لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ »
إن كان قضيّة إخباريّة حاكية عن حال التكوين ، أنتج حكما دينيّا بنفي الإكراه على الدّين والاعتقاد . وإن كان حكما إنشائيّا تشريعيّا كما يشهد به ما عقّبه - تعالى - بقوله :
« قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ »
كان نهيا عن الحمل على الاعتقاد والإيمان كرها ، وهو نهي متّك على حقيقة تكوينيّة .
أقول : الآية الشريفة ظاهرة في نفي الإكراه التكويني كما ذكرنا لا التشريعيّ .
والمراد ، رفع الإكراه في الدّين سواء قلنا : باختصاصه بالأحكام التكليفيّة ، أو الأعمّ منها ومن الوضعيّة ، فإنّ الدّين عبارة عن مجموع العقائد الحسنة ، الّتي تجب معرفتها والإقرار والاعتراف بها ، وكذلك الأحكام والفرائض والوظائف المقرّرة من اللّه - سبحانه - على عباده ، فعلى هذا يشمل إطلاق الآية جميع المكلّفين ، ولا اختصاص بهذا الامتنان ورفع الإكراه للكفّار فقط . ولو تكلّف متكلّف وقال : إنّ المراد ، لا إكراه على الدين ، فلا يجوز إكراه الكفّار على الدّين بالسيف فنقول : هذا خلاف ظاهر سياق الآية أوّلا . وثانيا يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنّه أيضا إكراه على الدّين لا في الدّين .
فالظاهر من جميع ما ذكرنا - واللّه العالم - أنّه لا إكراه في الدين مطلقا أصولا