بأعيانها ومسائلها .
أقول : لقد أصاب فيما قال : إنّ القرآن يصدّق الوحي الإلهي ، لا الكتب الموجودة الخارجيّة في عصر النزول .
وقد بالغ القرآن الكريم ، وشدّد النكير على أهل الكتابين بالكتمان والإخفاء والتحريف ، قال تعالى :
« فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ » .
[ البقرة ( 2 ) / 79 ]
و
« قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ » .
[ الانعام ( 6 ) / 91 ]
و
« فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » .
و
« يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ » .
[ المائدة ( 5 ) / 13 و 15 ]
فالقرآن الكريم حيث إنّه مهيمن على الكتب ، ومراقب لها ومحافظ عليها ، صرّح في هذه الآيات وغيرها بتلاعب أيدي الخائنين فيها .
ثمّ إنّه قد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ ما اشتهر بين الناس من أنّ دين الإسلام نسخ جميع ما تقدّم عليه من الأديان ممّا لا وجه له . فإنّ دين اللّه الّذي ارتضاه لأنبيائه ورسله عبارة عن معرفته - تعالى - وكمالاته العليا وتوحيده ، والنّبوّات والولايات ، وحقائق الإيمان ومكارم الأخلاق ، وفضائل النفس ، ورذائلها والاجتناب عنها ، والمعرفة والإيمان بالعوالم ، الّتي بعد الدّنيا من البرزخ ، والقيامة وأهوالها ومواقفها ، والنار وآلامها وعقوباتها ، والجنّة وسرورها وصفائها ، وكذلك الالتزام بالأحكام الّتي جاء بها الرسل من العبادات والحدود وغيرها ، فليس منها قابلا للنسخ إلّا الأحكام ، فكما يقع النسخ أحيانا في شريعة واحدة كذلك يمكن النسخ بشريعة