تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
وإثباته بها ليس إلّا التذكير والتنبيه على ما يعرف الإنسان بالفطرة وقد نسيه وغفل عنه بعوامل تضادّه وتزاحمه من تربية الآباء والأمّهات ، والأباطيل والأضاليل الدائرة في المجتمع ، وتغلّب الفراعنة والجبابرة والمستكبرين الّذين لا يزالون يتلاعبون بالحقائق الثابتة . قوله تعالى :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً » .
بيان : اتّخاذ الآلهة من دون اللّه إمّا أن يكون بقصر الألوهيّة بما سوى اللّه سبحانه أو بالتسوية بينهم وبين ربّ العالمين . وعلى كلا التقديرين إمّا أن يكون الآلهة ندّا له سبحانه في العبادة أو ندّا له في الطاعة يحلّلون لأوليائهم حلالا ويحرّمون لهم حراما فأطاعوهم . والظاهر أنّ الآية الكريمة بقرينة ذيلها :
« يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ »
تنفي طاعتهم للّه وتثبتها للأنداد والأمثال . سبحانه وتعالى عمّا يقول المشركون . قال في الميزان 1 / 412 : ولم يقل من يتّخذ للّه أندادا كما عبّر بذلك في سائر الموارد كقوله تعالى :
« فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً » .
[ البقرة ( 2 ) / 22 ] وقوله تعالى :
« وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً » .
[ إبراهيم ( 14 ) / 30 ] وغير ذلك ، لأنّ المقام مسبوق بالحصر في قوله :
« وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
الآية . فكأنّ من اتّخذ للّه أندادا قد نقض الحصر من غير مجوّز ، واتّخذ من يعلم أنّه ليس بإله إلها اتّباعا للهوى ، وتهوينا لحكم عقله ، ولذلك نكّره تحقيرا لشأنه فقال :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً » .
أقول : فيه إنّ الآية الكريمة مستقلّة برأسها ولا يحتاج في إفادة التوحيد إلى قرينيّة قوله تعالى :
« وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ . . . »
بل الآية الكريمة تذكرة وإرشاد بضرورة العقل على وجوب التوحيد والاجتناب عن الشرك . وكثير من المفسّرين فسّروا الندّ في الآية بالعموم وقالوا : إنّ الندّ عبارة عن الأصنام وعن رؤساء الضلال ، وأئمّة الكفر الّذين اتّخذوا عباد اللّه خولا ، ومال اللّه بينهم دولا . والمبتدعون في الدين الذين يحكمون ويفتون في الدّين بغير ما أنزل اللّه وينصبون نبيّا ووليّا من غير إذن اللّه . وأولياؤهم يتّبعونهم فيما اخترعوا من الشرائع