محكمة في مفادها ومدلولها فإنّها أعمّ من المستقلّات العقليّة الّتي هي أساس علوم القرآن في باب التوحيد والنبوّات والمكارم والإيمان باللّه والفرائض العقليّة . وكذلك المنكرات الضروريّة وشعبها وفروعها فعلى هذا يعلم أنّ البيّنات والهدى كلاهما أنزلهما اللّه للنّاس . فبمعونة الإنزال يعلم أنّ البيّنات والهدى من جملة آيات الكتاب .
وبذلك يظهر ضعف ما ذكره في المجمع 1 / 241 : قيل أراد بالبيّنات الحجج الدالّة على نبوّته عليه السّلام وبالهدى ما يؤدّيه إلى الخلق من الشرائع . وقيل البيّنات والهدى هي الدّلالة وهما بمعنى واحد وإنّما كرّر لاختلاف لفظيهما .
ومن هنا يعلم أيضا أنّ ما ذكره في الميزان 1 / 394 ، غير منطبق على الآية الكريمة ، قال : الظاهر - واللّه أعلم - أنّ المراد بالهدى ما تضمّنه الدّين الإلهي من المعارف والأحكام الّذي يهدي تابعيه إلى السعادة ، وبالبيّنات الآيات والحجج الّتي هي بيّنات وأدلّة وشواهد على الحقّ الّذي هو الهدى . فالبيّنات في كلامه تعالى وصف خاصّ بالآيات النازلة .
أقول : الحقّ الّذي لا مناص من الالتزام به في باب تفسير البيّنات والهدى أن يقال : إنّ القرآن الكريم وصفه اللّه تعالى بصفات شامخة ونعوت عالية ، فهو هداية وذكرى وتذكرة ، وبصائر ونور وبرهان ، وشفاء وحقّ وعلم وفرقان ، وحديث وكتاب وبيّنات ، وفصل وحكم ، وحكمة وموعظة . فمجموع القرآن موصوف بهذه الصفات الكماليّة بعنايات حقيقيّة في جميع القرآن لا أنّ بعضا منها صفة لبعض من الآيات ويجوز سلب بعضها عن بعض الآيات .
ولا يخفى أنّ الآية الكريمة مسوقة لبيان إخفاء الحقائق وإماتة العلم والخيانة به لأغراض مادّيّة وشهويّة تدعو الكاتمين إلى ارتكاب هذه الجناية الكبيرة .
فهؤلاء الخبثاء يكابرون العلم ويحاربونه وينكرونه بعد ما تمّ البيان وكملت الحجج والدلائل ، بالمغالطات والتحريف والتكذيب وتلقين ضدّه . وهذه السنّة السّيّئة جارية في القرون يرثها فاجر بعد فاجر ، وكاذب بعد كاذب ، في كلّ عصر ومصر بما يناسب الأزمنة والأشخاص ، فإن الضلال لا يجتمع مع الهدى . وهذه هي عماد سلطنة الفراعنة والجبابرة والأراذل . فهم مصرّون على تحميق أهل الحقّ
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 52
مساهمون: محمد باقر الملكي الميانجي
ص٥٢